السياحة والترفيه

معرض جسور الفن …. حين يختصر الإبداع المسافات

استضافت القنصلية المصرية بمحافظة جدة معرض «جسور الفن» بالتعاون مع رواق أدهم للفنون، وذلك برعاية مدير فرع وزارة الإعلام بمنطقة مكة المكرمة الدكتور عبدالخالق الزهراني.

وبينما كنت أتأمل اللوحات، عاد إليّ تساؤل قديم: هل يحق للأدباء إبداء آرائهم في الفن التشكيلي بوصفهم متذوقين للجمال ومنسجمين مع روح الإبداع؟

في هذا المعرض، لم تكن اللوحات مجرد أعمال فنية، بل جسورًا حقيقية – كما يوحي اسم المعرض – تمتد بين زمزم والنيل. حضرت الناقة في صحراء الإطارات، وتوّجت ألوان الفنانين رأسها بطوق من الورد الطائفي، وتنافست النخلة مع الشجرة، والتمر مع البلح، وأضاءت جدة التاريخية روحها الرمضانية من جديد، في مشاهد استلهمتها أعمال الفنانين. فيما جسدت لوحة الفنانة هتون الشريف عروسًا بفستان أزرق، يجمع بين صلابة الأهرامات وروحانية قبلة المسلمين في مكة.

غير أن أكثر ما استوقفني لوحة جمعت بين «القط العسيري» والمومياء الفرعونية في عمل الفنان الدكتور أشرف حلواني، في حضور بصري يثري المشهد التشكيلي ويؤكد تنوع التجارب في المعرض. وقد بدا جليًا أن التراث السعودي بات عالمي الحضور، وأن حكايات الجدات قادرة على عبور الثقافات وتجاوز الحدود.

وفي تجلٍ للذوق الفني، برزت الآية الكريمة: ﴿إنك لعلى خلق عظيم﴾ خارج إطار اللوحة في عمل الفنان سعود خان، في معالجة بصرية أضفت أسمى معاني الرقي، حيث تجاوزت الكلمات حدود التشكيل التقليدي لتغدو مشهدًا مكتفيًا بذاته لا يحتاج إلى كثير من الشرح.

وكان من اللافت حضور أعمال اتسمت بالغموض والتأويل، ومنها لوحة الفنانة فاطمة وارس، الفائزة بتحدي الألغاز، حيث بدت كل نظرة إليها وكأنها قراءة مختلفة، كأنها بلورة بصرية تهمس لكل متأمل بسر جديد.

كما استوقفتني أعمال عدد من الفنانين، من بينهم الفنان عبد الحميد الفقي والفنانة دينا النادي، إلى جانب آخرين لم تسعفني الذاكرة لاستحضار أسمائهم، وقد امتلأت لوحاتهم ببراءةٍ ونورٍ وروحٍ طفولية وشقاوة فنية لافتة، تؤكد تنوع التجارب وثراء المشهد التشكيلي في المعرض.

وفي نهاية الجولة، بدا معرض «جسور الفن» أكثر من مجرد مساحة لعرض الأعمال، بل تجربة بصرية وإنسانية تعيد تعريف العلاقة بين المتلقي واللوحة، حيث تتجاوز الألوان حدودها لتصبح لغة مشتركة بين الثقافات والذاكرة والخيال. هناك، لا تُرى اللوحة بعين واحدة، بل تُقرأ بعدة قلوب، ويظل أثرها ممتدًا حتى بعد مغادرة المكان، كجسر لا ينتهي بين الفن والإنسان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى