
بين التبذير والتدبير فلسفة الوعي المالي بقلم الكاتب والاعلامي عبدالله بنجابي
في عالمٍ يتسارع فيه إيقاع الاستهلاك، وتتعدد فيه المغريات التي تدفع الفرد نحو الإنفاق غير المدروس، يبرز الوعي المالي ليس فقط كمهارة حسابية، بل كفلسفة حياة توازن بين “الرغبة” و”الحاجة”. إن الفرق بين التبذير والتدبير ليس مجرد أرقام في حساب بنكي، بل هو انعكاس لمدى قدرة الإنسان على التحكم في مستقبله وضمان استقراره.
الاستثمار في رأس المال البشري
تؤكد الدراسات أن التوجهات المالية للفرد تتشكل في مرحلة مبكرة من العمر، وتتأثر بشكل مباشر بـ “القولبة المبكرة” داخل الأسرة. لذا، فإن استهداف الفئة العمرية ما بين 16 و24 عاماً يُعد استثماراً استراتيجياً في رأس المال البشري السعودي. إن الجيل الذي ينشأ وهو يدرك بعمق الفوارق الجوهرية بين ما يشتهيه وما يحتاجه فعلياً، هو الجيل المؤهل لقيادة دفة الاقتصاد الوطني نحو آفاق أوسع من التنوع والازدهار.
دور المؤسسات الوطنية: تجربة بنك الإنماء
لا يقع عاتق التوعية على الفرد وحده، بل هو جهد تشاركي تساهم فيه المصارف الوطنية بفاعلية. نجد في برنامج “عمد” الذي يقدمه بنك الإنماء نموذجاً يحتذى به في تعزيز الوعي المالي. يركز هذا البرنامج على:
تقديم تدريبات عملية للسيدات ورواد الأعمال والطلاب.
تقليص الفجوة بين المعلومات النظرية والتطبيق الفعلي.
تمكين الأفراد من فهم الميزانيات، بيانات الدخل، وتدفقات النقد.
ربط الاستراتيجية المالية بأداء الأعمال لتقييم الصحة المالية الشخصية والمؤسسية.
جودة الحياة والتخطيط طويل الأمد
إن العلاقة بين المال وجودة الحياة هي علاقة طردية عندما يُدار المال بحكمة. الوعي المالي يعني الانتقال من ثقافة “العيش للحظة” إلى ثقافة التخطيط المالي طويل الأمد، مما يضمن وصول الجميع إلى أدوات استثمارية متنوعة تقلل من الاعتماد على مصدر دخل واحد، وتفتح أبواب الأمان المالي للأجيال القادمة.
ختاماً، إن فلسفة الوعي المالي في المملكة العربية السعودية اليوم تتجاوز مجرد إدارة الأموال؛ إنها تجسيد لروح “الوطن الطموح” الذي يلتزم فيه المواطن بالمسؤولية تجاه نفسه وأسرته ووطنه. وتحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله، تمضي المملكة بخطى ثابتة نحو بناء منظومة مالية مبتكرة، ترسخ مكانتها كمركز عالمي للتقنية والازدهار، وتضمن حياة كريمة وعامرة للأجيال الحاضرة والقادمة. فالوعي المالي ليس نهاية المطاف، بل هو البداية الحقيقية نحو تمكين الإنسان وبناء الوطن في أبهى صوره.



