مقالات

​بين المروءة والعبث وقفة مع أمانة المشاعر … بقلم الكاتب عبدالله بنجابي

​تُعد العواطف الإنسانية من أرقّ وأغلى ما يملكه الإنسان، وهي أمانة كبرى يُسأل عنها المرء أمام الله عز وجل ثم أمام ضميره وخلقه. وفي ظل الانفتاح الرقمي المعاصر، اختلطت لدى البعض المفاهيم، فظنوا أن “التلاعب بالعواطف” نوع من الذكاء الاجتماعي أو مهارة في إدارة العلاقات، بينما هو في حقيقته سقوط أخلاقي مدوٍ يتنافى مع شيم المروءة، وإثم شرعي يُحاسب عليه فاعله في الدنيا والآخرة.
​التلاعب العاطفي: إثمٌ وخراب
​إن الذي يُغري غيره بوعود الحب الزائفة، ويمنحه آمالاً كاذبة بالأمان والاستقرار، ثم يتركه في منتصف الطريق بلا مبرر، إنما يرتكب جُرماً نفسياً غائراً. هذا السلوك لا يقف أثره عند حد خيبة الأمل، بل يورث الطرف الآخر ندوباً نفسية قد لا تندمل، ويقوض يقينه بالقيم الإنسانية، مما يدخله في دهاليز القلق والشك الدائم في المحيطين به.
​شرعاً، حرّم الإسلام الغش والخداع بجميع صورهما، فكيف إذا كان الخداع يستهدف القلوب والنفوس؟ يقول النبي ﷺ: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”، والتلاعب بالمشاعر هو أشد أنواع الأذى النفسي الذي يترك أثراً أعمق من جراح الجسد، لكونه خيانة للميثاق الغليظ الذي ينبغي أن تقوم عليه الروابط البشرية.
​الحد الفاصل: اليقظة أمام العبث
​إن الفرق الجوهري بين التلاعب العابث والتعامل الإنساني الصحي يكمن في قوتي “الوضوح والمسؤولية”. فالمتلاعب يقتات على الضبابية والغموض، ويرسل رسائل متناقضة، ويهرب من أي استحقاق جاد للالتزام، محولاً العلاقة إلى متاهة من الحيرة والارتباك. أما التعامل الصحي فهو الذي يقوم على الصراحة المطلقة، والوضوح في النيات والأهداف منذ اللحظة الأولى، ويطرق الأبواب من مداخلها الرسمية والشرعية، محققاً بذلك السكينة النفسية التي هي مقصد العلاقات الإنسانية النبيلة.
​نحو وعي عاطفي يحفظ الكرامة
​إن المروءة الحقة تقتضي أن يكون الإنسان نبيلاً في وصله وفصله؛ فإذا لم تكن لديه رغبة صادقة أو قدرة فعلية على بناء علاقة مستقرة وشرعية، فالواجب الأخلاقي يفرض عليه ألا يفتح باباً للأمل الكاذب في قلب غيره. إن “الذكاء” الحقيقي ليس في القدرة على استدراج القلوب، بل في التمسك بالقيم التي تعظم العهد وتصون الأمانة، فالقلوب ليست ساحة للتجارب أو العبث، بل هي حِمىً مصون يجب أن يُحترم ويُقدّر.
​خاتمة
​إن حماية القلوب من التيه في دهاليز الوعود الزائفة هي مسؤولية أخلاقية وضرورة مجتمعية، تتطلب منا العودة إلى منابع المروءة والصدق في التعامل. فالإنسان النبيل هو من يزن كلماته بميزان الأمانة، ويجعل من كرامة الآخرين خطاً أحمر لا يقبل العبث. ولنعلم يقيناً أن استقرار النفوس وطهارة المجتمع لا يتحققان إلا بالاستقامة على منهج الحق، والترفع عن صغائر التلاعب التي لا تورث إلا الندم والقطيعة.
​ونسأل الله العلي القدير أن يديم على بلادنا نعمة الأمن والإيمان، وأن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، وأن يحفظ لنا قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله، ويمدهم بعونه وتوفيقه، ويجعلهم ذخراً للإسلام والمسلمين، ويديم عزهم سداً منيعاً يحمي البلاد والعباد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى