مقالات

الوطن ليس وظيفة أو شعاراً

بقلم الكاتبه / حنان الحكمي

عندما يكون اتخاذ القرار المستقبلي واعداً ويحقق نجاحاً عالياً من خلال الاستفادة من المورد البشري والصعود به إلى التميز بخدمة الوطن.
“كيف نبني مستقبلاً واعداً من رحم التحديات والأزمة الحالية (حرب إيران)؟”

جوهر إجابتي هو أن التحول من “النجاة” إلى “التميز” مرهون باستراتيجية متكاملة لإدارة المورد البشري، وهذه الاستراتيجية هي التي كانت غائبة عن التحليلات السابقة، وهي التي ستحدد ما إذا كانت هذه التحديات والحرب نقطة تحول إيجابية أم مجرد أزمة تم تجاوزها.

الفجوة الجوهرية في التحليلات السابقة

كل التحليلات الاقتصادية ركزت على:

· رأس المال (الاحتياطيات، الاستثمارات، الديون)
· الموارد الطبيعية (النفط، الغاز، المعادن)
· البنية التحتية (الموانئ، الخطوط، المصانع)

لكنها لم تهتم بالركيزة الأهم: المورد البشري هو الذي يدير كل ما سبق، وهو الذي يبتكر الحلول، وهو الذي سيبني المستقبل.

المفارقة التي لم يلتفت إليها أحد

العنصر قبل الأزمة أثناء الأزمة بعد الأزمة (المرجو)
رأس المال وفير — —
النفط مطلوب مطلوب بشدة —
المورد البشري الهش (اعتماد بعض الشركات على الأجانب) — —

الخلاصة: حتى لو عاد رأس المال والنفط، إذا لم يُصلح المورد البشري، سيكون التعافي هشاً وسطحياً.

لماذا “المورد البشري” هو مفتاح التميز المستقبلي؟

  1. العامل المفقود في معادلة النجاح

أي اقتصاد يمكنه شراء التكنولوجيا ورأس المال، لكن لا يمكنه شراء:

· الولاء والانتماء (المواطن المخلص يزيد ولاؤه أثناء الأزمات)
· المعرفة السياقية (فهم خصوصية السوق والمجتمع)
· الاستمرارية (الأجنبي يغادر عند أول أزمة، والمواطن يبقى لخدمة وطنه)

ما يترتب على الآثار الجانبية للأزمة الحالية (حرب إيران) – على سبيل المثال لا الحصر:

· الموظف السعودي عمل 18 ساعة يومياً (الأجنبي غادر)
· المعلم السعودي درّس أونلاين (الأجنبي انتظر العودة للوطن)
· الممرض السعودي تغلب على بعض التحديات بابتكارات محلية (الأجنبي استقال)

كما حدث مع أزمة كورونا.
هذا هو “التميز” الذي لم يُرصد في أي مؤشر اقتصادي.

  1. التحول من “الاستيراد” إلى “الإنتاج”

اقتصاد ما قبل الأزمة الحالية (حرب إيران) كان يعتمد على استيراد الكفاءات:

· 85% من الأطباء في التخصصات الدقيقة أجانب
· 70% من مهندسي الطاقة المتجددة أجانب
· 60% من خبراء التقنية المالية أجانب

خلال الأزمة: كان خيارهم المغادرة.

الفرصة الذهبية: بدلاً من استيرادهم مجدداً (بأجور أعلى)، لماذا لا نُنتج بدائل سعودية؟

  1. التميز كميزة تنافسية دائمة

النفط مورد، ورأس المال متقلب، لكن “المورد البشري المتميز” هو المورد الوحيد الذي:

· تزيد قيمته مع الزمن (بدلاً من أن ينضب)
· لا يمكن نسخه (الثقافة التنظيمية والانتماء لا يُستوردان)
· يخلق موردين بشريين جدد (التعليم والتطوير يضاعفان العدد)

كيف يُبنى “التميز” من المورد البشري؟ (الإطار العملي)

المرحلة الأولى: الاستقرار (الآن – 6 أشهر)
الهدف: سد الفجوات الحرجة الناتجة عن مغادرة بعض الأجانب

مثال:

· قطاع الصحة: إعادة توظيف 15 ألف ممرض أو طبيب سعودي (وزارة الصحة)
· قطاع الطاقة: برنامج تدريب مكثف (شهرين) لخريجي البترول (أرامكو)
· قطاع التقنية: الإعفاء من شرط الخبرة لخريجي الحاسب (مؤقتاً) (وزارة الموارد البشرية)

شرط أساسي للنجاح: لا تنتظر “الكفاءة الكاملة”. المهارات تُكتسب أثناء العمل والممارسة (Learning by Doing).

المرحلة الثانية: البناء (6-18 شهراً)
الهدف: إنشاء نظام وطني لإنتاج الكفاءات

الركائز:

  1. برنامج “التميز الوطني” (اقتراح)
    · تتبّع الخريجين المتميزين (أعلى 5%) من أول يوم دراسي
    · منحهم عقود عمل مضمونة في الجهات الحيوية (حتى قبل التخرج)
    · إرسالهم في “مهمات وطنية” بدلاً من “ابتعاث عادي” (هدف محدد يعودون من أجله)
  2. أكاديمية الحرب للقيادات
    · اختيار 1000 قائد شاب ممن أظهروا أداء استثنائياً أثناء الأزمة
    · برنامج تطويري لمدة 6 أشهر (جزء منه في الميدان، وجزء في الأكاديمية)
    · تعيينهم في مناصب قيادية (تخطي السنوات الخمس الأولى المعتادة)
  3. حاضنات الابتكار الطارئ
    · تمويل سريع (72 ساعة) لأي فكرة تحل مشكلة ناتجة عن الأزمة
    · الإعفاء من الإجراءات البيروقراطية (السبب الرئيسي لموت الابتكار)
    · الملكية الفكرية مشتركة (الفرد + الجهة + الوطن)

المرحلة الثالثة: التميز (18 شهراً – 5 سنوات)
الهدف: أن يصبح “المورد البشري السعودي” علامة تجارية عالمية

المؤشرات المستهدفة:

· صافي الهجرة العكسية (قدوم الأجانب المهرة للعمل تحت قيادة سعودية)
· تصدير الخدمات الاستشارية (الخبرة السعودية في “إدارة الأزمات” تُطلب عالمياً)
· براءات الاختراع (مضاعفة عدد براءات الاختراع المسجلة باسم سعوديين كل عام)

دور “خدمة الوطن” في تحقيق التميز

ما يميز أثناء الأزمات عن أي فترة أخرى هو أن “خدمة الوطن” تحولت من شعار إلى سلوك يومي.

قبل الأزمة

· “خدمة الوطن” = وظيفة حكومية، أمن، حماية عسكرية
· المواطن العادي = مستهلك للخدمات

أثناء الأزمة

· كل مواطن صار “مدافعاً اقتصادياً”:
· الموظف في القطاع الخاص: استمر في العمل
· صاحب المتجر: لم يرفع الأسعار
· الطالب: تعلّم عن بُعد

بعد الأزمة (التميز)

· تحويل “سلوك الأزمة” إلى “ثقافة دائمة”:
· نظام حوافز يكافئ من يبذل جهداً استثنائياً (وليس من يحضر فقط)
· مسار ترقية سريع للمتميزين (بدلاً من الأقدمية)
· قنوات اتصال مباشرة بين المواطن وصانع القرار (الابتكارات الشعبية تصل للقيادة)

التحديات التي يجب حلها:

  1. ثقافة “المكافأة الآجلة”
    المواطن يريد أن يرى ثمرة تميزه اليوم.
    الحل: حوافز فورية (مكافآت نقدية، إجازات مدفوعة، جوائز رمزية ذات قيمة عالية)
  2. الخوف من الفشل
    الابتكار يعني تجربة أشياء جديدة، والتجربة تعني فشل بعضها.
    الحل: إنشاء “صندوق تجارب مسموح الفشل فيه” (بدون مساءلة إدارية)
  3. تضارب الأولويات
    كل جهة تريد “التميز” لكن بتعريف مختلف.
    الحل: “التميز الموحد” = أي سلوك يحقق أحد هذه الثلاثة:
    · يزيد الإنتاج (أكثر بـ 20% من المتوسط)
    · يقلل التكلفة (أقل بـ 20% من المتوسط)
    · يحل مشكلة (كانت عالقة لأكثر من 3 أشهر)

السيناريو المرجح: إذا نجحت الاستراتيجية
بعد 3 سنوات من الآن:

· المواطن المتميز = العامل الأكثر طلباً في المنطقة (الخليج يطلب خبرات سعودية)
· خدمة الوطن = ميزة تنافسية (الشركات العالمية تريد توظيف سعوديين لأنهم “أكثر التزاماً”)
· القرار المستقبلي = يُتخذ بناءً على “ما يمكن للموارد البشرية فعله” وليس “ما يتوفر من مال أو نفط”

المؤشرات:

· 70% من الوظائف القيادية في القطاع الخاص يشغلها سعوديون
· 50% من الكفاءات تتسابق للعودة (لأن البيئة أفضل مما كانت)
· 20% زيادة في إنتاجية العامل السعودي مقارنة بمتوسط المنطقة

الخلاصة النهائية

السؤال: كيف يكون اتخاذ القرار المستقبلي واعداً ويحقق نجاحاً عالياً؟

الإجابة: عندما يُبنى على إيمان راسخ بأن المورد البشري هو الثروة الحقيقية، وعندما تُصمم السياسات لصعوده إلى التميز، وعندما يُزرع في كل مواطن أن خدمة الوطن ليست وظيفة أو شعاراً، بل طريقة حياة.

الأزمة الحالية (حرب إيران) كشفت أن السعودية تملك كنزاً عظيماً: مواطنين استثنائيين أدوا تحت الضغط ما لم يؤده أي خبير أجنبي. السؤال الآن: هل سنستثمر في هذا الكنز، أم سنعود إلى استيراد الحلول الجاهزة من الخارج؟

الرهان: إذا استثمرت السعودية في موردها البشري بنفس العزم، فلن تكون فقط قد “تجاوزت آثار الحرب”، بل ستكون قد صنعت من الحرب أعظم مشروع نهضوي في تاريخها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى