
”بضاعة الأنقياء”.. في فلسفة القناعة والسمو النفسي .. بقلم الكاتب والاعلامي عبدالله بنجابي
إِذا ما كُنتَ ذا قَلبٍ قَنوعٍ … فَأَنتَ وَمالِكُ الدُنيا سَواءُ
أُحِبُّ الصالِحينَ وَلَسْتُ مِنهُم … لَعَلّي أَن أَنالَ بِهِم شَفاعَه
— الإمام الشافعي
تظل الحكمة الخالدة التي صاغها الإمام الشافعي -رحمه الله- في مديح القناعة والتواضع دستوراً أخلاقياً عابراً للزمان؛ فهي لا تخاطب الفرد في عزلته فحسب، بل تضع حجر الأساس لكل بناء اجتماعي سليم وقوي. في زمنٍ تطغى فيه المظاهر وتتسارع فيه وتيرة الاستهلاك، تبرز الحاجة للعودة إلى “جوهر الذات” وقيمها الأصيلة.
1. عزة النفس.. ثمرة القناعة
إن عزة النفس ليست رداءً يُرتدى أمام الناس، بل هي حالة شعورية تنبع من الداخل حين يكتفي الإنسان بما لديه، ويحرر إرادته من قيود الحاجة للبشر.
القناعة: ليست مجرد الرضا باليسير، بل هي “الحصن المنيع” الذي يمنع الإنسان من الانكسار أو التكلف لإرضاء الآخرين.
الأثر: هي رأس المال الحقيقي الذي يمنح صاحبه هيبةً لا تُشترى بالذهب.
2. فلسفة التواضع ومحبة الأخيار
وفي لفتةٍ إنسانيةٍ بالغة العُمق، يطرح الإمام الشافعي مبدأً جوهرياً في التعامل مع المجتمع والقدوات، حين يقول: “أحب الصالحين ولست منهم”.
هذا التواضع ليس إنكاراً للذات بقدر ما هو اعترافٌ بفضل أهل الفضل، وحرصٌ على الانتماء لبيئة الخير والسمو. إن من أسمى مراتب الرقي الإنساني أن يقر المرء بنقصه أمام كمال الآخرين، ساعياً للتشبه بهم ونيل بركة صحبتهم، وهو ما يجسد جوهر العمل التطوعي والاجتماعي الذي يسعى لجمع القلوب على البر والتقوى.
3. التقوى.. البضاعة التي لا تبور
وفي ميدان العمل والبناء، يظل التحدي الأكبر هو مخالفة الهوى والاجتهاد في فعل الخيرات قدر الاستطاعة. فكل بضاعة في الدنيا معرضة للكساد، إلا “بضاعة التقوى” والعمل الصالح؛ فهي الاستثمار الرابح الذي يبني المجتمعات ويُخلد الذكر.
إن تحويل هذه القيم إلى واقع ملموس في حياتنا ومبادراتنا هو ما يمنح العطاء معناه الحقيقي وأثره المستدام. وتعزيز هذه القيم الأخلاقية والاعتزاز بالهوية الإسلامية الراسخة هو جزء لا يتجزأ من مسيرة النماء التي تشهدها بلادنا، في ظل الرعاية الكريمة والدعم اللامحدود من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله.



