
”بين السعي والنية” … فلسفة العمل في ظلال الهدي النبوي ….. بقلم الكاتب عبدالله بنجابي
عَوْدٌ حميد.. وتجديدٌ للمسير . مع عودة الحياة لتنبض في أروقة المكاتب ومقاعد الدراسة هذه الأيام، وبعد فترة من الاستجمام والراحة، يستقبل المجتمع مرحلة جديدة من الجد والاجتهاد. نرى الطرقات تزدحم من جديد، والوجوه تستعد لمواجهة المسؤوليات؛ ما بين موظفٍ يعود لمهامه، وطالبٍ يستأنف رحلة علمه. في هذه اللحظات الفاصلة من “العودة”، نحتاج بشدة إلى ما هو أبعد من مجرد “الاستيقاظ الباكر”، نحتاج إلى “استيقاظ النية” التي تحول هذا الروتين إلى رحلة عبادة وبناء.
المشهد النبوي: تصحيح مفهوم “سبيل الله”
في خضم هذا الحراك المجتمعي، نستذكر موقفاً خالداً من عصر النبوة؛ حين مَرَّ رجلٌ قويٌّ فتيٌّ على النبي ﷺ وأصحابه، فتعجب الصحابة من نشاطه وجلده في السعي، فقالوا بلهفة: “يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله؟”. كانت نظرتهم ترى “سبيل الله” محصوراً في الميادين الكبرى فقط.
فجاء الرد النبوي ليضع وساماً على صدر كل عامل وموظف وطالب، وليجعل من مكاتبنا وفصولنا الدراسية ميادين للرفعة:
«إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ…»
تجلّيات السعي في أيامنا هذه
حين نعود لأعمالنا اليوم، فنحن نمارس هذه الأبعاد الثلاثة التي ذكرها النبي ﷺ:
بناء الأجيال (المسؤولية الأسرية): سعي الموظف لتأمين حياة كريمة لأبنائه، وسعي الطالب ليكون فخراً لأهله، هو في جوهره جهادٌ لبناء أساس المجتمع.
الوفاء والبر: إنَّ انطلاقك لعملك وفاءً بمتطلبات والديك هو صورة من صور البر العملية التي تفتح لك أبواب التوفيق والرزق الواسع.
عزة النفس والاستغناء: العمل هو الحصن الذي يحفظ كرامة الإنسان. أن تستغني بجهدك وكدّك عن سؤال الناس هو قمة العبادة التي ترفع قدرك عند الخالق والخلق.
الحذر من “فخ المباهاة”
في مقابل هذا السعي المبارك، يحذرنا الهدي النبوي من أن يتحول العمل إلى وسيلة للمفاخرة الجوفاء أو الرياء الاجتماعي. فالعبرة ليست بضخامة المسميات الوظيفية، بل بصدق الأثر ونفع الخلق ونقاء القصد القلبي.
رؤية طموح.. تحت قيادة حكيمة
إن ما نلمسه اليوم من حيوية في العودة للأعمال والمدارس، وما نشهده من نهضة تنموية واجتماعية شاملة، هو ثمرة للدعم والتمكين الذي توفره حكومتنا الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله. إنَّ رؤيتهم التي تضع “الإنسان” أولاً، تحفزنا جميعاً لنرى في أعمالنا اليومية مساهمة حقيقية في بناء وطنٍ طموح، مجتمعه حيوي واقتصاده مزدهر.
رسالة العودة
يا من عدت لمكتبك، ويا من جلست على مقعد دراستك؛ استصحب هذه النوايا اليوم. أنت لست مجرد رقم في كشف الحضور، بل أنت “ساعٍ في سبيل الله” طالما اقترن جهدك بنية صالحة وإتقانٍ مخلص.
استبشر بمهنتك، وجدد عهدك، واجعل من عطائك طريقاً لمرضاة الله وبناء وطنك.



