مقالات

يا معشر الكُتّاب .. يا ملح البلد … من يُصلح الملح إذا فسد … بقلم بندر الملحم

قرأتُ فيما قرأتُ مقولةً شهيرة تُنسب إلى سفيان الثوري تقول : «يا رجال العلم، يا ملح البلد، من يُصلح الملح إذا الملح فسد؟» وتُروى معها قصة تحمل في طيّاتها معنى عميقًا.

يُحكى أن رجلًا بدويًا اضطر إلى ترك قبيلته إثر قضية قتل ، فلجأ إلى قبيلة أخرى طلبًا للحماية، فحظي بحسن الاستقبال وكرم الضيافة حتى قرّبه شيخ القبيلة وأدناه منه وذات يوم وبينما كان الشيخ يتجول وقعت عيناه على زوجة الرجل ، فأُعجب بجمالها إعجابًا شديدًا ، حتى تسلّل الهوى إلى قلبه وفتن بها .

فكّر الشيخ في حيلة ليخلو بها ، فأرسل زوجها مع مجموعة من الرجال في مهمة تستغرق عدة أيام وحين حلّ الليل ، ذهب إلى المرأة مصارحًا إياها بما في نفسه لكنها قابلت الموقف بحكمة ، وقالت له: “لن أمانع ولكن لي شرط واحد” فسألها على الفور: “وما هو؟” فقالت: “حلّ لغزًا أولًا… إذا فسد اللحم أصلحناه بالملح ، فبماذا نُصلح الملح إذا فسد؟”

وقف الشيخ حائرًا ، وطلب منها أن تمهله حتى الغد ثم جمع رجال القبيلة وأهل الرأي ، وعرض عليهم اللغز، فلم يجد عندهم جوابًا شافيًا وبقي أحد الحكماء صامتًا حتى انفضّ المجلس ، ثم قال للشيخ: “من قال لك هذا اللغز؟” ارتبك الشيخ، فسأله عن الحل. فقال الحكيم: “قائل هذا اللغز شخص احتمى بك، وأنت خذلته. وهو صاحب علم ودين وخُلُق، لم يستطع أن يواجهك مباشرة، فخاطب ضميرك بهذا السؤال. وأظنها امرأة راودتها عن نفسها، وهي تريد أن تصون عرضها وعرض زوجها، لكنها تخشى بطشك. فهي تقول لك: إن فسد رجال القبيلة أصلحهم الشيخ، فمن يُصلح الشيخ إذا فسد؟”
فكانت كلمات الحكيم كفيلة بأن تُعيد الشيخ إلى رشده، وتوقظ ضميره قبل أن يقع في الخطأ.

ومن هذه القصة يمكن أن نستنبط الكثير من المعاني، وأبرزها ما نراه في واقعنا اليوم، خاصة في ميدان الكلمة والإعلام. فالكاتب ( وتحديدًا الصحفي ) هو “ملح البلد”، به تُحفظ القيم وتُصان الحقائق. غير أن البعض، وهم قلة، لم يعودوا يلتفتون إلى أمانة القلم بقدر ما ينظرون إلى ما يحققه لهم من مصالح.

فمنهم من يسعى إلى بناء علاقات توصله إلى منافع شخصية أو وظائف لمن حوله، ومنهم من يلاحق الإثارة والجدل لزيادة متابعيه في المنصات، ومنهم من يوظّف قلمه على الضعفاء ليزيحهم أو يتحكم بهم .

ومن هنا يعود التساؤل الذي نتمنى ان يلامس ضميرهم ويعيدهم إلى رشدهم:
يا معشر الكُتّاب، يا ملح البلد… من يُصلح الملح إذا فسد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى