مقالات

النزعة الفوقية … لماذا يهتم علم النفس بها .. بقلم الكاتبة و الإعلامية شعاع السعد

في زوايا السلوك الإنساني الخفية تبرز “النزعة الفوقية” كأحد أكثر الأنماط إثارة للجدل والتأمل ذلك الشعور الذي يجعل بعض الأفراد يرون أنفسهم أعلى من الآخرين ليس مجرد سلوك عابر أو صفة شخصية سطحية بل ظاهرة نفسية معقدة دفعت علم النفس إلى التوقف عندها طويلًا بحثًا عن جذورها ودلالاتها

علم النفس لا ينظر إلى النزعة الفوقية بوصفها “تعاليًا” فقط بل كإشارة إشارة إلى شيء أعمق بكثير من مجرد ثقة بالنفس ففي كثير من الحالات تكون هذه النزعة غطاءً هشًا يخفي وراءه شعورًا دفينًا بالنقص أو عدم الأمان هنا يظهر التناقض فكلما بالغ الإنسان في إظهار تفوقه زادت احتمالية أنه يحاول الهروب من شعور داخلي معاكس

من هذا المنطلق يهتم علم النفس بهذه النزعة لأنها تمثل آلية دفاع نفسي فالعقل البشري حين يواجه تهديدًا لصورة الذات قد يلجأ إلى تضخيمها بدل مواجهتها وكأن الفرد يقول لنفسه “أنا أفضل” ليخفي خوفه من أن يكون “أقل” هذه المفارقة هي ما يجعل النزعة الفوقية مادة غنية للتحليل

كما أن لهذه النزعة جذورًا تربوية واجتماعية فالتنشئة التي تعتمد على المقارنة المستمرة أو التي تربط القيمة الإنسانية بالإنجاز فقط قد تدفع الفرد إلى بناء تقديره لذاته على أساس التفوق على الآخرين لا على أساس التوازن الداخلي وفي بيئات أخرى قد يكون الإهمال أو التقليل من شأن الطفل سببًا في تطوير هذه النزعة كتعويض نفسي لاحق

ولا يمكن تجاهل البعد الثقافي فبعض المجتمعات تمجد التفوق الفردي إلى درجة تجعل “الفوقية” سلوكًا مقبولًا أو حتى مرغوبًا هنا يصبح الحد الفاصل بين الطموح الصحي والتعالي المرضي ضبابيًا ما يزيد من أهمية دراسة هذه الظاهرة

اهتمام علم النفس بالنزعة الفوقية لا يهدف إلى إدانة أصحابها بل إلى فهمهم فخلف كل شعور مبالغ فيه بالتفوق توجد قصة لم تُحل أو احتياج لم يُلبَّ ومن خلال هذا الفهم يمكن تحويل هذه النزعة من جدار يفصل الإنسان عن الآخرين إلى نافذة يرى من خلالها ذاته بصدق أكبر

في النهاية لا تكمن خطورة النزعة الفوقية في شعور “الأفضلية” بحد ذاته بل في كونها قد تعيق النمو الحقيقي وتمنع الإنسان من مواجهة ذاته كما هي ولهذا يظل علم النفس مهتمًا بها لا لأنها سلوك مزعج فقط بل لأنها مفتاح لفهم هشاشة النفس البشرية وتعقيداتها العميقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى