مقالات

ما علّمتني الحياة . بقلم الكاتبة والاعلاميه الجوهرة الحمد

الحياة ليست كتابًا يُقرأ مرة واحدة، بل معلم قاسٍ لا يكتفي بالشرح، بل يشرح بالدروس التي نعيشها. ومع كل تجربة، صغيرة كانت أو كبيرة، يتشكل داخل الإنسان وعي جديد لم يكن يملكه من قبل. ومن بين أكثر ما علّمتني الحياة أن القوة ليست قسوة في القلب، بل هي القدرة على حماية الحقوق. فالتنازلات حين تكثر لا تبقى فضيلة، بل تتحول شيئًا فشيئًا إلى بابٍ يُفتح لابتلاع حقك دون أن يشعر أحد.

وعلّمتني الحياة أن كل شيء في هذه الدنيا له مقابل. ليس بالضرورة مالًا، فقد يكون وقتًا أو مشاعر أو كرامة. لذلك لا يستغرب الإنسان حين يكتشف أن الرخيص لا يشتري إلا رخيصًا مثله، وأن من لا يقدّر الأشياء الثمينة لا يستطيع الاحتفاظ بها أصلًا.

كما علّمتني الحياة أن العلاقات ليست أسماء تُقال أو ألقابًا تُحفظ. فليس كل أبٍ أبًا بالمعنى الحقيقي، وليس كل أخٍ أخًا حين تضيق الأيام. الأب هو من يسندك حين تميل الحياة بك، والأخ هو من يبقى بجانبك حين يختفي الجميع. أما الأسماء وحدها فلا تصنع وفاءً ولا تخلق مواقف.

ومن الدروس القاسية التي تكشفها الأيام أن بعض الناس يبيحون لأنفسهم ما يريدون، ويحرّمون عليك ما يريدون. يقيسون الأفعال بميزانين: ميزانٍ لأنفسهم، وميزانٍ آخر لغيرهم. وكأن العدل يتبدل حين يمس مصالحهم أو أهواءهم.

ولعل أكثر ما يكشفه الزمن أن الناس كثيرًا ما يطلقون أحكامهم عليك لا بما فيك، بل بما في داخلهم هم. يحكمون بظنونهم، ويصفونك بمرآة نياتهم، وكثير منهم يحمل في قلبه شيئًا لم يقله، لكنه يظهر في حكمٍ سريع أو كلمة عابرة. لذلك يصبح من الحكمة أن يفهم الإنسان أن أحكام الآخرين ليست دائمًا حقيقة عنه، بل كثيرًا ما تكون انعكاسًا لما يسكن صدورهم.

ومع كل ذلك، علّمتني الحياة درسًا لا يقل أهمية: أن مشاعرك أنت من يجب أن يقودها، لا أن تقودك هي. فالقلب حين يُترك بلا وعي قد يندفع حيث لا ينبغي، وقد يمنح ثقته لمن لا يستحقها. أما حين يتعلم الإنسان ضبط مشاعره، فإنه يحمي نفسه من كثير من الخيبات.

في النهاية، ليست الحياة عادلة دائمًا، لكنها صادقة في دروسها. وكل تجربة فيها، مهما كانت مؤلمة، تترك خلفها فهمًا أعمق للناس وللنفس. وربما لهذا السبب يخرج الإنسان من بعض المواقف أكثر هدوءًا، وأكثر وعيًا، وأقل اندفاعًا… لأنه ببساطة تعلّم شيئًا جديدًا عن الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى