المجتمع

رحيل مبارك آل مسعود … سيرة طيبة يودّعها وادي الدواسر

في لحظات الفقد يبهت الكلام، وتضيق العبارات عن احتواء الألم الذي يخلّفه رحيل الأحبة، ويصبح الرثاء محاولة متواضعة لاستحضار سيرة إنسان عاش بين الناس بصفاء القلب ونقاء السريرة؛ وبرحيل مبارك بن محمد بن عبدالعزيز آل مسعود – رحمه الله تعالى – أحد أبناء وادي الدواسر من مركز النويعمة، فقدنا رجلاً عرفه الناس بهدوئه، وألفوا حضوره الطيب، واطمأنوا إلى خلقه الكريم، حتى صار اسمه مرادفاً للوقار والسمت الحسن ؛ فقد صُلّي عليه بعد صلاة العصر يوم الاثنين الموافق العشرين من شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ في جامع متعب بمحافظة وادي الدواسر، مودَّعاً بقلوب حزينة وذكريات طيبة تركها في نفوس كل من عرفه أو جاوره أو زامله في مسيرة الحياة.
عرفته منذ الطفولة حين كانت أسرته الكريمة تسكن جوارنا في حي الرخوانية بمركز النويعمة، وكانت تلك الجيرة الأولى بوابة لمعرفة إنسان هادئ الطبع، مؤدب السلوك، لا تعرف شخصيته الصخب ولا تميل إلى الضجيج، بل كان يميل إلى السكينة في كل شأن من شؤون حياته؛ كبر على تلك الصفات التي رافقته منذ الصغر، وظل يحملها حتى آخر أيامه، وكأن الهدوء كان لغته التي يخاطب بها الحياة والناس.
ينتمي الفقيد إلى أسرة عرفت بين أهل المحافظة بالطيبة والكرم وحب الخير، وهي صفات انعكست بوضوح في سلوكه اليومي وتعاملاته مع الجميع؛ فقد كان مثال الجار الصالح، والإنسان الذي يأنس به من حوله، لا يضيق به مجلس ولا يتأذى منه أحد، بل كان حضوره يشيع الطمأنينة والاحترام في النفوس.
لم يكن كثير الكلام، بل كان يميل إلى الصمت الهادئ الذي يعبّر عن حكمة واتزان، فلا يتحدث إلا إذا دعت الحاجة أو وُجِّه إليه الحديث؛ وكان بعيداً عن فضول القول، مترفعاً عن الخوض في أعراض الناس أو الاشتغال بالغيبة والنميمة التي ابتُليت بها كثير من المجالس؛ بل كان يأنف من تلك الأحاديث، ويكره أن يكون المجلس الذي هو فيه مسرحاً للحديث عن الآخرين، محافظاً على لسانه نقياً كما عرفه الجميع.
وقد حمل قلباً نقياً لا يعرف الضغينة ولا يحمل حقداً على أحد، وظل كذلك حتى وفاته، محباً للخير، متسامحاً مع الناس، قريباً من القلوب بطبعه الهادئ وابتسامته التي لا تفارقه؛ أحبه جيرانه وأصدقاؤه وزملاؤه في الدراسة والعمل، واستمر على تواصل معهم حتى بعد تقاعده، وفياً للعلاقات التي نسجتها سنوات العمر، حريصاً على صلتها والمحافظة عليها.
وكان – رحمه الله – أباً حانياً ومربياً فاضلاً، غرس في نفوس أبنائه القيم المباركة، وأحسن تربيتهم وتنشئتهم على الخلق الحسن والاستقامة، مستحضراً في حياته قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً ” ؛ فكان الخلق بالنسبة له نهج حياة لا مجرد كلمات تُقال.
ولعل من جميل ما خُتمت به حياته أن اختاره الله إلى جواره وهو صائم في شهر رمضان المبارك، ذلك الشهر الذي تتضاعف فيه الأجور وتُفتح فيه أبواب الرحمة، وكأنها خاتمة تليق برجل عاش حياته بسلام مع نفسه ومع الآخرين، لا يؤذي أحداً، ولا يحمل في صدره إلا الخير.
لقد رحل مبارك بن محمد آل مسعود، لكن أثره الطيب سيبقى في ذاكرة أهله وأصدقائه وجيرانه، وفي كل قلب عرف صدق معدنه وصفاء نفسه؛ فبعض الناس يمرون في الحياة مروراً عابراً، وبعضهم يتركون خلفهم سيرة تظل شاهدة على جمال أرواحهم، والفقيد -بإذن الله – من أولئك الذين تركوا ذكرى عطرة لا تمحوها الأيام.
رحم الله رجل الخلق والصمت وحسن الجوار، أبا محمد، وأسكنه فسيح جناته، وجعل مثواه الفردوس الأعلى مع النبيين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم ارحم من كان بيننا بالأمس طيب القلب، بشوش الوجه، حاضر الابتسامة، واجعل ما قدم من خير في ميزان حسناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.
فلله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى.
{إنا لله وإنا إليه راجعون}.

مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى