مقالات

حين يسرّع التوتر عمر الإنسان

مقال تحليلي

بقلم: الإعلامي هاني الجهني –صحيفة أخباركم

في الفترة الأخيرة، أصبح من الواضح أن كثيرًا من الناس يعيشون حالة تعب لا يمكن ربطها بالعمر وحده. ملامح مرهقة، تفكير لا يتوقف، ونوم غير مستقر. مشاهد نراها كثيرًا، وتدفعنا للتساؤل: هل السبب هو الزمن، أم شيء آخر يتراكم في الداخل؟

هذا التساؤل كان حاضرًا خلال اللقاء الصحفي الذي أجريته مع الأخصائية النفسية والسلوكية روان عبدالغني حبّال، حيث جاء الحديث عن التوتر من زاوية واقعية، بعيدة عن التنظير، وقريبة من الحالات التي تُشاهد يوميًا.

خلال الحوار، أوضحت حبّال أن التوتر المستمر لا يمرّ دون أثر، بل يؤثر بشكل مباشر على الدماغ، ويجعل الإنسان يعيش في حالة تأهّب دائم، حتى في غياب الخطر الحقيقي. ومع الوقت، ينعكس ذلك على الذاكرة، والتركيز، والحالة المزاجية.

هذا الضغط النفسي لا يتوقف عند الجانب الداخلي فقط، بل يظهر على الجسد أيضًا. اضطرابات في النوم، إرهاق عام، تغيّرات في البشرة، وآلام متفرقة يشكو منها كثيرون، وغالبًا لا يجدون لها تفسيرًا واضحًا.

ومن النقاط التي لفتت الانتباه في اللقاء، حديثها عن صدمات الطفولة، وكيف أن بعض التجارب القديمة تظل حاضرة في الذاكرة دون وعي، وتظهر لاحقًا في صورة قلق أو خوف أو تفكير زائد، دون أن يعرف الإنسان السبب الحقيقي لذلك.

كما تم التطرق إلى ما يُعرف بالاستثارة الفكرية، وهي الحالة التي لا يتوقف فيها التفكير، خصوصًا في أوقات الهدوء أو قبل النوم، فتتكرر الأفكار وتكبر، ويشعر الإنسان وكأنه محاصر بذهنه.

وفي قراءة لما طُرح خلال اللقاء، يتضح أن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكمن في الحدث نفسه، بل في طريقة تفسيره داخليًا، حيث تتحول الفكرة مع الوقت إلى عبء نفسي ينعكس على السلوك ونمط الحياة.

وعلى الجانب العلاجي، أكدت الأخصائية أن العلاج المعرفي السلوكي يركز على فهم الفكرة أولًا، ثم التعامل مع المشاعر المرتبطة بها، قبل الانتقال إلى السلوك، وهو ما يحقق نتائج واضحة لدى كثير من الحالات خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.

كما أشارت إلى خطورة تجاهل بعض الاضطرابات النفسية، مثل الوسواس القهري، التي قد تتفاقم وتؤدي إلى عزلة أو إنهاك نفسي إذا لم تُعالج مبكرًا، ما يجعل دور الأسرة والمجتمع عنصرًا أساسيًا في الدعم والاحتواء.

الرسالة التي خرجتُ بها من هذا اللقاء أن الشعور بالأمان له دور كبير في تهدئة القلق. فكلما شعر الإنسان بالاطمئنان، بدأ التوتر بالتراجع تدريجيًا، وعادت الحياة إلى مسارها الطبيعي.

هذا اللقاء لم يكن مجرد حوار مهني، بل محطة للتوقف والتأمل في علاقتنا بأنفسنا، وفي أهمية أن نمنح صحتنا النفسية مساحة حقيقية من الاهتمام.

فالإنسان لا يكبر حين تمر السنوات،

بل حين يتراكم عليه القلق دون أن ينتبه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى