مقالات

ثورة المايكروشوفتينج أهلاً بعصر الإبداع المرن ….. بقلم الكاتب حمد حسن التميمي

لقد ولى ذلك الزمن الذي كانت تُقاس فيه قيمة الموظف بمدى قدرته على “نحت” الكرسي لسبعة ساعات متواصلة، ففي عام 2026، لم يعد الحضور البدني هو المعيار، بل أصبحت الإنتاجية تُقاس بوهج الإبداع لا بعدد ساعات الحضور. نحن اليوم أمام تحول جذري في مفهوم الوظيفة، حيث بدأ نظام

“المايكروشوفتينج” (العمل الجزئي المرن) يغزو العالم، معلناً نهاية عصر الدوام التقليدي من السابعة صباحاً حتى الثانية مساءً. هذا النظام ليس مجرد تغيير في الجداول الزمنية، بل هو اعتراف صريح بأن العقل البشري لا يعمل بكفاءة تحت وطأة الحصار الزمني الرتيب.

إن جوهر هذا التحول يكمن في “المرونة الوظيفية” التي تمنح الإنسان مساحته الخاصة ليتنفس ويبدع، حيث يعتمد العمل على فترات قصيرة ومكثفة تضمن تدفق الأفكار بأقصى طاقتها. بدلاً من استنزاف اليوم في اجتماعات لا تنتهي ومهام تبتلع الوقت، يركز هذا النظام الجديد على “النوعية”؛ فالمهم هو ما تنجزه وما تبتكره في تلك الفترات المركزة، وليس كم من الوقت قضيت وأنت تحدق في شاشة حاسوبك. إنه نظام يحترم ذكاء الموظف ويقدر طاقته النفسية، مما ينعكس إيجاباً على جودة المخرجات النهائية.

وفي سياق الحديث عن “المايكروشوفتينج”، فإن تطبيقه في الحياة المهنية لا يحتاج إلى جداول معقدة بقدر ما يحتاج إلى وعي جديد بكيفية إدارة الطاقة الذهنية. فالموظف الذي يعمل في فترات قصيرة ومركزة، ويجعل إنجازه مرتبطاً بالنوعية لا بالكمية، هو من يحقق القيمة الحقيقية. إن الابتعاد عن الاجتماعات غير الضرورية، وحماية الطاقة النفسية، وتحويل العمل إلى جزء من الشغف لا إلى قيد يستهلك الإنسان، كلها عناصر تجعل هذا النظام أكثر من مجرد أسلوب عمل؛ إنه فلسفة تمنح الحرية والمسؤولية معاً، وتعيد تعريف النجاح على أنه الأثر الذي نتركه لا عدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشة.

وبالنظر إلى المستقبل القريب، أتنبأ بأن الموسسات التي ستتمسك بالقوالب القديمة ستجد نفسها خارج سباق الجذب للمواهب الفذة. إننا نتجه نحو عالم سيسود فيه “الموظف المرن”، الشخص الذي يدير وقته كقائد، وينجز مهامه كفنان. ستختفي تدريجياً الحدود الصارمة بين الحياة المهنية والشخصية لتنصهر في بوتقة واحدة من التوازن، حيث يصبح العمل جزءاً من شغف الإنسان وليس قيداً يكبله. في الأعوام المقبلة سنرى مكاتب خاوية من الأجساد المرهقة، ممتلئة بعقول تعمل من أي مكان وفي أي وقت، طالما أن “الإنتاجية الإبداعية” هي المحرك والهدف.

وفي الختام، إن “المايكروشوفتينج” هو دعوة للعودة إلى إنسانيتنا في بيئات العمل، فالبشر لم يُخلقوا ليكونوا تروساً في آلات لا تهدأ، بل ليصنعوا أثراً ويتركوا بصمة. إن الوداع الذي نلوح به اليوم لساعات العمل الثابتة هو في الحقيقة استقبال لعصر جديد من الحرية والمسؤولية الذاتية. فما أجمل أن تودع مكتبك وأنت تعلم أن ما قدمته في ساعات معدودة يوازي في قيمته إنجاز شهور من الروتين الميت؛ لأنك في النهاية، اخترت أن تنجز بقلبك قبل يدك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى