مقالات

“المتغطي بإسرائيل” … عريان بقلم بندر الملحم

في البداية أودّ التنويه إلى أنني لست من المهتمين بالشأن السياسي ولا أميل إلى الخوض في دهاليزه. غير أن بعض الأحداث تفرض نفسها على الوعي ، وتدفع الإنسان أحيانًا إلى الكتابة لا من باب السياسة بل من باب التأمل في التاريخ ، ومحاولة فهم الحاضر من خلاله فالتاريخ كثيرًا ما يعيد نفسه ، وإن اختلفت الوجوه وتبدلت الأدوات.

وأثناء تصفحي لمواقع التواصل الاجتماعي ، استمعت إلى قصيدة للشاعر الكبير خلف بن هذال العتيبي استوقفني فيها شطرٌ عميق الدلالة حين قال:
( من دون صهيون بذّتْنا صهاينا )
ولم تكن هذه المرة الأولى التي أسمع فيها القصيدة ، لكنها كانت المرة الأولى التي أتوقف عند هذا الشطر تحديدًا ، متأملًا معناه من زاوية مختلفة.

قادني هذا التأمل إلى العودة لمراجع التاريخ بحثًا عن حقيقة الدور اليهودي في مسارات الأمم والجماعات. فكانت النتيجة واضحة ومتكررة ، لم يسجل التاريخ في صفحاته أن اليهود قادوا أمة أو صنعوا حضارة مستقلة تقود غيرها ، بل على العكس تؤكد الشواهد التاريخية أنهم كانوا في الغالب يُقادون ويُستَخدمون ويتكئ عليهم غيرهم لتحقيق مصالحه.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث في صدر الإسلام حين تحالف رأس النفاق عبدالله بن أُبيّ بن سلول مع يهود بني النضير ، في محاولة لزعزعة الدولة الإسلامية الناشئة ، والوقوف في وجه قيادة خير من وطئت قدماه الأرض النبي محمد ﷺ. فقد وعدهم بالنصرة وأغراهم بالثبات ، وأرسل إليهم الرسائل متعهدًا بالخروج معهم محاولًا ثني الرسول ﷺ عن تنفيذ الحكم فيهم. لكنه كما هي عادة المنافقين خذلهم في اللحظة الحاسمة ، ولم يفِ بشيء من وعوده.

وقد خلّد القرآن الكريم هذه الحادثة في سورة الحشر، في قوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ…﴾
فكانت النهاية أن أُجلي يهود بني النضير بحكمٍ عادل من المصطفى ﷺ بينما سقط عبدالله بن أُبيّ في أعين المجتمع ، حتى إن ابنه تبرأ من مواقفه ، ولم يبقَ له أثر يُذكر سوى الذم والخذلان ، إلى أن مات على فراش المرض معزولًا منبوذًا.

خلاصة القول أن التاريخ لم يشهد يومًا أن اليهود كانوا قادة حقيقيين لمسار الأمم ، بل كانوا دومًا أداة في يد غيرهم. والمفارقة المؤلمة أن كل من احتمى بهم، أو تستر خلفهم ، أو ظنّ أن في التحالف معهم قوة ، انتهى به الأمر إلى فشل ذريع وسقوط مدوٍّ.

ومن هنا ، فإن من يتغطي اليوم بإسرائيل إنما يتغطى بوهمٍ هشّ فالعري لا يدوم ستره طويلًا ، والزمن كفيل بكشف الحقائق ، والتاريخ لا يرحم من يراهن على الباطل. فالوقت كفيل بأن يُسقط الأقنعة ، ويترك المتغطي بإسرائيل… عاريًا أمام ضمير الإنسانية وصفحات التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى