
حينما يكون “الإنسان” هو محور الإهتمام : قراءة في فلسفة “الإدارة بالحب”
في عالم يضج بالإعلانات المُمولة، والتصاميم الرقمية الباردة، والميزانيات الضخمة التي تستهدف جيوب المستهلكين، برزت صورة عفوية لرجل بسيط يضع لوحة على سيارته تقول: “توصيل الصائمين مجاناً بشرط نفطر مع بعض”. هذه العبارة لم تكن مجرد عرض لخدمة مجانية، بل كانت بياناً أخلاقياً ودرساً بليغاً في كيفية تحويل “العمل” إلى “رسالة”، وهو ما نؤصل له دائماً تحت مفهوم “الإدارة بالحب”.
القراءة التسويقية: من “المنتج” إلى “القيمة”
إن النجاح الباهر والانتشار الواسع لهذا الإعلان لم يأتِ من فراغ، بل لأنه ضرب جذور المفاهيم التسويقية التقليدية في مقتل، محولاً إياها إلى “تسويق إنساني” بحت:
من الخصم إلى المشاركة: في الوقت الذي تتصارع فيه الشركات على تقديم “أقوى الخصومات”، قدم هذا الرجل “أقوى الروابط”. الناس لا يبحثون دائماً عن توفير المال، بل يبحثون عن الانتماء وكسر عزلة المدن المزدحمة.
من المقابل المادي إلى التجربة: القيمة هنا ليست في “توفير أجرة المشوار”، بل في “تجربة الإفطار المشتركة”؛ وهي تجربة تخلق ذكرى عاطفية لا يمكن لأي مبلغ مالي أن يشتريها.
من الإقناع المباشر إلى الشعور: بدلاً من محاولة إقناعنا بجودة السيارة أو سرعتها، لمس هذا الإعلان غريزة الكرم والترابط الاجتماعي المتأصلة فينا، فكان “الصدق” هو الميزانية الوحيدة لهذا الإعلان.
سيكولوجية العطاء وحفظ الكرامة
ما فعله هذا المبادر هو كسر “حاجز الجليد” النفسي. فالتسويق التقليدي يبني جداراً بين “مانح” و”مستفيد”، أما هنا فقد هُدم الجدار تماماً. اشتراط “الإفطار معاً” حوّل الراكب من “شخص يحتاج مساعدة” إلى “ضيف وصديق مكرم”، وهذا هو أرقى أشكال العطاء الذي يحفظ الكرامة الإنسانية ويجعل العملية تبادلية تفيض بالمودة والتقدير.
الإسقاط على مدرسة “الإدارة بالحب”
هذه المبادرة هي التطبيق العملي لما أدعو إليه دائماً وأسعى لنشره، وهي “الإدارة بالحب”. إن الإدارة بالحب ليست مجرد شعارات، بل هي منهجية تقوم على:
إدارة المشاعر قبل الموارد: فالقائد أو المؤسس الذي يدير بالحب لا يبحث عن قائمة عملاء، بل يبحث عن بناء “مجتمع” يجمعه الود والهدف المشترك.
صناعة الأثر لا الأرقام: بدلاً من قياس النجاح بالأرقام الجافة، يُقاس هنا بحجم الأثر النفسي والاجتماعي الذي تتركه المبادرة في نفوس الناس.
أنسنة الأعمال: إن الناس اليوم لم يعودوا يتفاعلون مع صرامة “اشترِ الآن” بقدر تفاعلم مع دفء “لنعيش الشيء معاً”.
الدرس المستفاد للمؤسسات والجمعيات
هذا النموذج يعيد تعريف التسويق الخيري والمجتمعي؛ فنحن حين نعمل بـ “الإدارة بالحب”، لا نطلب من الناس “تبرعاً”، بل نعرض عليهم “شراكة في الأجر”، ولا نقدم لهم “مشروعاً صامتاً”، بل نصنع معهم “أثراً حياً” يلمسه الجميع.
خاتمة ودعاء وفي الختام، إن هذه النماذج المشرقة من التكافل الاجتماعي هي الثمرة الطيبة للبيئة والمبادئ التي ترعاها حكومتنا الرشيدة؛ لذا نرفع أسمى آيات الشكر والتقدير والدعاء إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله، على عنايتهم الكريمة وقيمهم الراسخة في العناية بقضايا المسلمين في كل مكان، ودعمهم الدائم لكل مبادرة تعزز روح الإخاء والتراحم الإنساني. نسأل الله أن يمد في عمرهم على طاعته، وأن يجزيهم خير الجزاء عما يقدمونه للإسلام والمسلمين، وأن يديم على بلادنا أمنها وعزها.



