مقالات

إذا كان بيتك من زجاج فلا ترمِ الناس بالحجارة بقلم الكاتب بندر الملحم

هي نصيحة قديمة ترددت كثيرًا في كتب الحكمة وقصص التاريخ ، لكنها لم تفقد صدقها يومًا. بل لعل واقعيتها اليوم أشد حضورًا من أي وقت مضى. فالتاريخ ، مليء بالشواهد التي تؤكد أن من يهاجم الآخرين وهو مثقل بالعيوب ، لا بد أن يسقط يومًا تحت وطأة تناقضه.

يُحكى أن روما عرفت قاضيًا اشتهر بصرامته في محاربة الفساد ، لا يفرق في أحكامه بين مذنب وغيره ، وكان يُنزل أقسى العقوبات باسم العدالة غير أن المفارقة المؤلمة ظهرت حين كُشف أنه الأكثر فسادًا بينهم جميعًا ، فسقطت أحكامه وسقط معها وانتهت قصته بالإعدام ليصبح مثالًا خالدًا على خطورة ادعاء الطهر الزائف.

لكن المفارقة الأكبر أننا اليوم نعيش زمنًا مختلفًا زمنًا أصبح فيه صاحب البيت الزجاجي يرمي الناس بالحجارة بلا تردد، وهو يعلم ، ويعلم الجميع أنه أشدهم جرمًا. ومع ذلك، يُصدَّق ، ويُصفَّق له وكأن الحقيقة لم تعد شرطًا للإقناع.

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي اختلطت المفاهيم إلى حدٍ مقلق . نرى من يتصدر المشهد ناصحًا بالدين والعادات والتقاليد ثم يسبق نصيحته ( برقصة عابرة ) في بث مباشر أو بمشهد لا يمت للقيم التي ينادي بها بصلة، ليُكرَّم بعد ذلك بوصفه (قدوة مجتمعية ) مشهد يختصر حجم التناقض الذي نعيشه.

وفي الزمن ذاته، تحوّل “الترند” إلى فريسة يتسابق عليها البعض مهما كان الثمن. هذا يوثق حادثًا مؤلمًا فقط لأن أحد أطرافه مشهور ، وذاك يصطحب أصدقاءه إلى محل نسائي مرتديًا الحُلي والملابس النسائية تحت غطاء الكوميديا ، وأخرى رأت أن المجتمع المحافظ فرصة للاختلاف المصطنع، فأقنعت زوجها أن يكون حسابهما “مميزًا” بقدر ما هو نشاز عن محيطه.

وسط كل ذلك، تتأكد قناعة واحدة:

البيت الزجاجي يراه صاحب المبادئ زجاج قابل للكسر ، ويراه فاقدها خرسانة صلبة ومن أجود أنواعها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى