مقالات

تعلمت من أمي معنى الكفاح

[بقلم :تركي خليفة الغيداني]

تعلمتُ من أمي أن الكفاح ليس كلمة تُقال، بل حياة تُعاش.
تعلمته منها وهي تقف شامخة رغم الانكسارات، ثابتة رغم الفقد، قوية رغم ثقل الأحزان.
بدأت حكايتها بعد معاناة موجعة؛ فقدان أخ، ثم أب، ثم أخٍ ثانٍ، وكان آخر الألم فقدان ابنها. جراح متتابعة لو نزلت على جبل لتصدّع، لكنها نزلت على قلب أمي فزادته إيمانًا وصلابة.
ورغم حزنها، ورغم مسؤوليتها تجاه أسرة كبيرة، اتخذت قرارها الأول: الانطلاق.
انطلقت من بيتها… من مجلسٍ دعوي أقامته في منزلها، كان يُعقد في نهاية كل أسبوع. كنت أرى بعيني عشرات النساء وهنّ يتوافدن، يحملن شوق الذكر ونور القلوب. سبعة عشر عامًا وأمي تستقبلهن بالترحاب ذاته، بالحماس نفسه، وبقلبٍ لا يعرف الفتور.
كانت تهيئ الضيافة، تنظف المكان قبل اللقاء وبعده، وتبث في الأرجاء روحًا لا تُشترى ولا تُتعلّم، بل تُولد مع الإخلاص.
ثم وُلد شغف جديد… شغف العلم.
قررت أمي استكمال تعليمها، وبدأت من المرحلة المتوسطة. يومها قلت في نفسي:
كيف ستفعل ذلك؟
في هذا العمر، مع المسؤوليات، ومع مجلس الذكر؟ كيف ستجد وقتًا للدراسة؟
لكنني أدركت سريعًا أنني لن أكون يومًا حجر عثرة في طريقها، بل سندًا لها.
كلفتني بمهمة استخراج شهادة بدل فاقد، وكانت تلك أول خطوة في رحلة لا تعرف المستحيل.
أنهت المرحلة المتوسطة… فقلت: ستكتفي.
لكن حلمها كان أكبر.
أنهت الثانوية، وحفظت أجزاءً من القرآن.
قلت: الآن سترتاح… لقد أفرغت طاقتها.
لكن أمي لا تعرف معنى التوقف.
فكان الإنجاز الأكبر: شهادة البكالوريوس في الدراسات الإسلامية، بامتياز مع مرتبة الشرف.
وقفت أنظر إليها بإعجابٍ لا يوصف، وأقول في نفسي: الآن فقط ستستريح.
لكن الشغف… كان ما يزال حيًا.
جاء حلم جديد، مختلف هذه المرة: كان مشروعها الذي خصصته لضيافة الأطفال.
حاولنا جميعًا أن نثنيها:
أمي، لن تستطيعي…
الأطفال مسؤولية…
الضجيج مُرهق…
المهمة صعبة…
لم تتردد.
لم تتراجع.
انطلقت بهمة عالية، وشاهدتُها تخوض مراحل التأسيس، تتجاوز الصعاب، تتعثر وتنهض، لكنها لا تتوقف.
حتى بدأت تجني ثمار صبرها، وظهر النجاح تلو النجاح، وكثرت الإنجازات، وكان التعب يتحول في عينيها إلى فخر.
من أمي تعلمت أن الكفاح ليس صخبًا، بل إصرار هادئ.
وأن العمر لا يقف عائقًا أمام الحلم.

وأن المرأة القوية تُربّي أجيالًا، وتبني ذاتها، وتُشعل النور لمن حولها.
تعلمت من أمي معنى الكفاح…
وتعلمت أن المستحيل كلمة لا تعرف طريقها إلى قاموسها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى