مقالات

حين يُظلَم القُرب قراءةٌ إيمانية في مقولة: ( الأقارب عقارب)

بقلم /الدكتور رياض السديري

تتردّد على الألسن عبارةٌ جارحة، تُقال أحيانًا بمرارة التجربة، وأحيانًا بلا وعيٍ لخطورتها:
« الأقارب عقارب ».
كلمةٌ قصيرة، لكنها تحمل في طيّاتها حكمًا قاسيًا، وتعميمًا ظالمًا، وتشويهًا لعلاقةٍ عظيمة جعلها الله من أوثق الروابط وأقدسها: صلة الرحم.
في ميزان الإسلام، لا تُقاس العلاقات بمواقف عابرة، ولا تُختزل الروابط في تصرّفٍ مؤلم، فالله تعالى حين أمر بصلة الرحم، لم يربطها بحُسن معاملة الأقارب، بل ربطها بذات الرحم، فقال سبحانه:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾
فجعلها مقرونة باسمه، تعظيمًا لشأنها.
نعم… قد يُؤذينا قريب، وقد نخيب في من ظننّاه سندًا، وقد نتجرّع ألمًا لا يأتي من بعيد بل من أقرب الناس إلينا، لكن الخطأ ليس في القُرب، بل في سوء الخُلُق، وليس في الرحم، بل في النفوس التي لم تُزكَّ.
الرسول ﷺ لم ينكر وقوع الأذى من الأقارب، بل عالجه بحكمةٍ أعلى، فقال:
«ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها.»
وهنا تتجلّى عظمة الإسلام…
أن تكون صلتك بالناس عبادة لا ردّة فعل،
وأن يكون عطاؤك لله لا لهم،
وأن تسمو أخلاقك فوق الجراح، لا أن تهبط إليها.
إن ترديد عبارة «الأقارب عقارب» يزرع في القلوب القطيعة، ويُبرّر الجفاء، ويُلبس القسوة ثوب الحكمة، بينما الحقيقة أن كثيرًا من الخذلان سببه توقّعاتنا لا قرابتهم، وحساسيتنا لا نياتهم، وصمتنا الطويل لا سوءهم دائمًا.
ليس كل قريبٍ مؤذيًا،
ولا كل بعيدٍ وفيًّا،
لكن القريب يظل بابًا للأجر إن صبرنا،
وميدانًا للاختبار إن احتسبنا،
وموضعًا للرفعة إن أحسنا.
وكم من أجرٍ عظيم كُتب لمن:
كتم ألمه صبرًا
وصل من قطعه احتسابًا
وعفا وهو قادر
وسكت وهو موجوع
قال ﷺ:
«ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا.»
فليست القوة في القطيعة،
ولا الحكمة في التعميم،
ولا النجاة في الهروب…
بل في قلبٍ يعرف متى يعاتب، ومتى يصبر، ومتى يُسلِّم أمره لله ويمضي.
فلنُحسن الظن، ولنُمسك ألسنتنا عن جلد الأقارب،
ولنجعل شعارنا:
الأقارب أرحام، قد يُخطئون… لكن صلتهم عبادة، والصبر عليهم رفعة.

فاصبرْ على القُربى وإن جاروا فَمَا
خُلُقُ الكِرامِ سوى العفوِ الجميلِ
واجعلْ رضا الرحمنِ قصدَ مسيرِك
فالخيرُ يبقى… والوفاءُ دليلِ
الكوتش والمدرب
د. رياض السديري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى