
شجاعة القول
بقلم : طلال بن سعود عبد الغني الصائغ
في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي ساحةً مفتوحةً لتبادل الآراء والأفكار، برزت ظاهرة الحسابات الوهمية التي يختبئ خلفها فئة تُفضّل أحيانًا أن تعيش في الظل، تتخفّى خلف أسماء مستعارة لإطلاق الانتقادات أو نشر الأفكار.
هذه الظاهرة تجعلنا نطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا يختار البعض التخفي بدلًا من المواجهة الصريحة؟ وهل يمكن اعتبار أن من يختبئ خلف هذا السلوك لا يثق بأن حضوره الحقيقي قادر على تحمّل ما يقوله لسانه؟
فالحساب الوهمي ليس حيلة بريئة؛ إنه بابٌ خلفي يهرب عبره أولئك الذين يطلقون كلمات جارحة أو انتقادات حادة دون أن يتحمّلوا تبعاتها، هربًا من المسؤولية.
والمواجهة الصريحة ليست تحديًا للآخر بقدر ما هي احترامٌ للنفس.
أن تكتب باسمك يعني أنك تعلن موقفك، لا متخفيًا في الزوايا ولا مختبئًا خلف قناعٍ وهمي يفتقد الجرأة على مواجهة الآخرين بشخصيتك الحقيقية.
وقد يدّعي البعض أو يبرّر استخدامه للحسابات الوهمية بأنها حماية لخصوصيته… لكن الفارق كبير بين حماية الذات وبين استخدام الوهم كسلاح.
فالصدقُ أساسُ الرجولة والمروءةُ ليست ادعاءً لفظيًا بل موقفٌ يُختبر عند مواجهة الحقيقة.
أن تواجه الآخر باسمك الحقيقي يعني أنك تتحمّل مسؤولية رأيك، وأنك تمنحه حق الرد والاحترام، وتخلق معه مساحةً لحوارٍ متوازن وواضح.
مجتمعاتنا لا تُبنى على وجوهٍ مستعارة، بل تُبنى على الوضوح والشفافية، وعلى الكلمات التي تقف على أرضٍ صلبة.
والاختباء خلف حسابٍ وهمي يُفقد الكلمة قيمتها، مهما كانت صحيحة أو مؤثرة، لأن مواجهة الآخر وجهًا لوجه تُظهر قوة الموقف، بينما الخروج من خلف الستار لا يكون أكثر من صدى ضعيف يتلاشى قبل أن يصل.
ولم تكن الشجاعة يومًا في ارتفاع الصوت ولا في قسوة العبارات، بل في القدرة على تحمّل مسؤولية ما نقول. فمن أراد نقدًا أو نقاشًا أو إبداء رأي، فليتقدّم إلى الضوء باسمه الحقيقي، وبصورته التي لا تخجل من الظهور.
فالوهم لا يصنع قيمة، ولا يمنح شجاعة، ولا يبني مجتمعًا، وحده الحضور الصادق هو ما ينهض بالكلمة ويمنحها أثرها العميق .



