
وليتك تسلم : معادلة السلامة الصعبة مع الناس بقلم الإعلامي عبدالله بنجابي
هل سألت نفسك يومًا عن الثمن الحقيقي لراحة البال؟ وهل هناك طريق مضمون للنجاة من وخز الألسن، وكيد النفوس؟
في حضرة الإمام الجليل أحمد بن حنبل (رحمه الله)، طُرح سؤالٌ جوهري لا يزال صداه يتردد في كل زمان: “كيف السبيل إلى السلامة من الناس؟” لم تكن الإجابة سهلة أو ميسورة، بل جاءت دستورًا أخلاقيًا يكاد يكون فوق طاقة البشر: “تعطيهم ولا تأخذ منهم، يؤذونك ولا تؤذيهم، تقضي مصالحهم ولا تكلفهم بقضاء مصالحك.”
هي أربعة أركان للسلامة، تبدو في ظاهرها قمة الإيثار، ولكنها في باطنها صراع لا ينتهي مع النفس والمجتمع. وعندما استُصعِب هذا المعيار وقيل له: “إنها صعبة يا إمام!”، جاء الرد الذي يلخص مرارة التجربة الإنسانية بأسرها: “وليتك تسلم!”.
هذه الكلمات ليست مجرد حكمة، بل هي مرآةٌ صادقة تعكس تعقيد العلاقات البشرية، وتضع أمامنا أقصى درجات الترفع كشرط للنجاة. فما سر هذه المعادلة الصعبة؟ وإلى أي مدى يمكننا تطبيقها في زمننا الذي تداخلت فيه المصالح وازدادت فيه الضغوط؟
لقد وضعت هذه الحكمة معادلة رباعية للنجاة من الأذى، كل ركن فيها يمثل تحديًا لأعمق غرائز النفس البشرية. الركن الأول هو العطاء المطلق: “تعطيهم ولا تأخذ منهم”. هذا يتطلب تجريدًا للنفس من الشح والطمع، والارتقاء بها عن طلب المنفعة المتبادلة. في عالمنا القائم على المقايضة، يعتبر بذل المال والجهد دون انتظار مقابل شخصي أو ثناء، هو الخطوة الأولى لتجريد الناس من سلاح المطالبة بالحقوق أو المن والأذى المعنوي.
أما الركن الثاني فهو الصبر الجميل: “يؤذونك ولا تؤذيهم”. هذه هي قمة السيطرة على النفس. عندما تكون متلقيًا للأذى، سواء كان بالكلام أو الفعل أو الإساءة للظن، فإن رد الفعل الطبيعي هو الانتقام أو الرد بالمثل. لكن الحكمة تدعو للصفح الجميل والاحتمال، لعلمها أن منشأ الأذى قد يكون جهلاً أو ضعفًا أو حسدًا، ولا ينبغي أن نجعل أذى الغير ذريعة لنا لننحدر إلى مستواهم. أما الركن الثالث فهو الإيثار العظيم: “تقضي مصالحهم ولا تكلفهم بقضاء مصالحك”. هذا هو ذروة الإيثار العملي. أن تجعل نفسك خادمًا لحاجات الناس، باذلاً وقتك وجهدك في قضاء حوائجهم، دون أن يكون لك في قائمة اهتماماتهم حاجة تُقضى أو خدمة تُطلب. إنه الترفع عن الحاجة للناس، فإذا لم تطلب منهم شيئًا، فقد سلبتهم سلاح الضغط والمَنّ عليك.
وعندما قيل للإمام أو للحكيم: “إنها صعبة يا إمام!”، جاء الرد الواقعي الذي يلامس جرح كل من سعى للسلامة:
“وليتك تسلم!”.
هذا التعبير ليس تشكيكًا، بل هو اعتراف صادق بعبء الحياة الاجتماعية. مهما بلغ الإنسان من إحسان وتسامح، فإن الأذى لا ينقطع؛ لأن منبعه ليس دائمًا سوء معاملتك، بل قد يكون مصدره الحسد والغيرة، أو سوء الظن وتفسير النوايا، أو حتى فطرة التنافس البشري الذي يورث الضغينة والأذى.
إن هذه الحكمة الأثيرة ليست دعوة للاعتزال التام عن الناس، فالإنسان مدني بطبعه. بل هي خارطة طريق للتعامل مع المجتمع من منطلق القوة الداخلية والزهد فيما يملك الناس من مدح أو ذم.
السبيل للسلامة، وإن كان صعبًا، يكمن في تحصين القلب بأن يكون عملك خالصًا لوجه الله، والتعامل بالإحسان دون انتظار مقابل، وتوطين النفس على أن الأذى جزء من ضريبة التعامل مع البشر، وأن الصبر عليه هو رفع للدرجات وحط للسيئات.
نعم، المعادلة صعبة، والوفاء بها كاملة يكاد يكون مستحيلاً على غير المعصومين.
لكن الإمام بكلمته الموجزة يضع المعيار الذهبي أمامنا، ويترك لنا العزاء في الحقيقة المرة:
أن نكتفي بالسعي، وأن نرضى بما كتبه الله، لأن غاية الغايات، بعد كل هذا الجهد، هي أمنية الحكيم:
“وليتك تسلم!”



