
متحف الفنان علي السليماني ….. ذاكرة الخشب التي تحاكي التاريخ
من شغف الطفولة إلى إنجاز الحلم بعد التقاعد، يسطر الفنان علي السليماني تجربة فريدة تُجسّد كيف يمكن للحرفة أن تتحول إلى فن، وللذكرى أن تصبح متحفًا ينبض بالحياة.
يقول السليماني: “منذ الصغر عشقت النجارة، وكنت أزور جدة التاريخية قبل أكثر من 55 عامًا، أتنقل بين أروقتها وأسقف بيوتها المزخرفة، مأخوذًا بسحر الرواشين التي تعانق الضوء وتحفظ الخصوصية.”
ذلك الشغف القديم ظل يسكن ذاكرته حتى بعد انشغاله بمهنة التعليم، حيث شارك في المعارض المدرسية، وأسهم في تنظيم الفعاليات في مختلف الدوائر الحكومية. لكن الحلم ظل حيًا في أعماقه ينتظر وقته المناسب.
ومع التقاعد، بدأت رحلة الإبداع الحقيقي. فحوّل السليماني فناء منزله إلى ورشة ومتحف صغير، صاغ فيه تفاصيل جدة التاريخية بيديه، وجعل من كل قطعة خشب حكاية.
يقول مبتسمًا: “الأصدقاء والفنانون الذين زاروني قالوا لي حرام هذا الجمال يُخفى ولا يراه الناس، فكانت تلك اللحظة الشرارة الأولى التي دفعتني لعرض أعمالي للجمهور.”
بدأ الفنان مشروعه بمجموعة أعمال فنية حول فكرة تحويل الحرفة إلى فن تشكيلي، فأنجز ما يقارب 28 عملاً خشبيًا نال إعجاب النقاد والفنانين، ومن أبرزهم الأستاذ زهير مليباري، الذي رافق مسيرته منذ أكثر من 45 عامًا.
ثم جاءت الفكرة الكبرى: مجسم يحاكي جدة التاريخية بنظام الفك والتركيب، بمقاس 300×120 سم، لا يزال يعمل عليه حتى اليوم، بإصرار وحب كبيرين.
ورغم دقة التفاصيل وكثرة الأدوات، يؤكد السليماني أنه لم يواجه صعوبات تُذكر، إذ ساعدته خبرته الطويلة ومهارته في التعامل مع أدوات النجارة الكهربائية واليدوية على تجاوز أي عقبة.
في أعمال السليماني، تتجسد الرواشين كرمزٍ للحجاز والبيوت القديمة، فهي ليست مجرد عنصر معماري، بل ذاكرة بصرية وثقافية.
الخشب المحفور بدقة، والزخارف النباتية والهندسية، والألوان التراثية الزاهية كالأخضر والأزرق، كلها تشكل لوحة حجازية نابضة بالهوية والدفء.
يقول الفنان: “الرواشين كانت تسمح بدخول الضوء والهواء دون أن تكشف خصوصية البيت، وهذا التوازن بين الانفتاح والخصوصية هو ما أحاول ترجمته في أعمالي.”
هكذا تتحول القطع الخشبية بين يديه إلى فن تشكيلي معاصر يربط بين الماضي والحاضر، بين الحرفة والتراث، بين الذاكرة والجمال.
يختم السليماني حديثه برسالة صادقة تحمل حكمة التجربة:
“أقول لإخواني المتقاعدين: لستم متقاعدين بل مبدعين، فالتقاعد هو بداية الحياة الحقيقية. لديكم خبرات ووقت، فاستثمروهما في الإبداع والعمل.”
ويضيف برسالة أخرى للشباب: “العمل اليدوي ليس عيبًا، والعمر مجرد رقم. أنا قاربت على الخامسة والستين وما زلت أعمل بيدي بكل حب ونشاط.”
ختاما إن تحوّل منزل علي السليماني إلى متحف صغير يعطره عبق الخشب وأصوات الأدوات، ويزينه شغف السنين، ليصبح شاهدًا على أن الحلم لا عمر له، وأن الإبداع يولد من الوفاء للماضي والإيمان بالجمال.





