مقالات

الرويبضة الرقمية بقلم الكاتبه والاعلامي بندر الملحم

بين أروقة وسائل التواصل الاجتماعي، وأثناء تصفحي لما يُطرح فيها من “ترندات” متسارعة، شدّني مشهد تتكرر تفاصيله كل يوم؛ إذ تجد أن أصل كثيرٍ من هذه المواضيع يبدأ من شخص فاسد وفاسق ، لا هدف له سوى تحقيق مصالح خفية، قد تكون أمنية أو اجتماعية، غايتها زعزعة استقرار المجتمع وبثّ الفوضى الفكرية فيه.
وما يزيد الأمر سوءًا، أن أوائل من يركبون قطار هذه المواضيع هم الباحثون عن المشاهدات، الرويبضة الرقمية ، فيأخذون ما يُقال، ويؤجّجون الرأي العام، بل ويقدّمون أدلة وهمية لتثبيت أكاذيبهم، وهذا من جهلهم ، فيتبعهم العامة دون وعي أو تمحيص.

عندها، تذكّرت حديث الرسول عليه الصلاة والسلام «سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصَدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة».
قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟
قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة».

إن “الرويبضة” كتعريف، هو العاجز عن معالي الأمور، عديم الفكر، الذي يتجرأ على الحديث في ما لا يُحسن، فينشر الجهل ويُصدّر تفاهته للناس، حتى يُظن أنه من أهل الرأي والمعرفة، وهو في الحقيقة لا يملك إلا لسانًا يجيد الصخب.

وللأسف، هذا المشهد أصبح واقعًا نعيشه اليوم؛ يُكذَّب الصادق، ويُهاجَم الشريف، بينما يُلمَّع الكاذب حتى يُصبح نجمًا ساطعًا في سماء الزيف، ويعلو صوت “الرويبضة” الذي لا يملك من الفكر إلا الوهم، ولا من الهدف إلا الضوء والشهرة.

ومؤخرًا، أصدرت هيئة تنظيم الإعلام عددًا من القرارات التي لاقت ترحيبًا واسعًا من المواطنين، لما فيها من ضبط للمحتوى وحماية للوعي العام.
ومع ذلك، يبقى من الضروري النظر بجدية إلى ظاهرة “الرويبضة الرقمية” — أولئك الذين ينقلون السموم دون وعي، ويحوّلون الجهل إلى مادة رائجة لأنهم، وباختصار، أخطر من الفاسدين أنفسهم.
فـ”الرويبضة” هو الناقل الرئيس للفساد، والمروج الأول للفوضى الفكرية في مجتمع يحتاج إلى وعي، لا إلى ضجيج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى