مقالات

المشهد الثقافي السعودي .. بين الجذور وتحولات العصر .. بقلم الكاتبه صابرين البحري

الثقافة ليست نصوصا على ورق، ولا فعاليات موسمية، بل كائن حي يتنفس من ذاكرة الناس وأحلامهم. وحين أكتب عن الثقافة السعودية، فأنا لا أدعي أنني عشت كل مراحلها فأغلب ما أعرفه عن البدايات قرأته في الكتب أو سمعته من الكبار، أما ما شهدته بعيني فلم يكن سوى المشهد الأخير، وأنا صغيرة أراقب العالم يتغير من حولي، ثم كبرت فوجدت نفسي أغوص في تفاصيله بوعي أكبر.

منذ أن كانت المجالس تحت ظلال النخيل في نجد، أو على مقاعد الحجاز المشرعة على البحر، وحتى صالات المعارض ودور السينما اليوم، قطعت الثقافة السعودية رحلة شاقة. وهذه الرحلة تحمل في طياتها أصواتا كبرى صنعت الذاكرة والهوية، مثل غازي القصيبي الذي جمع بين الشعر والعمل العام، وعبد الرحمن منيف الذي وثق التحول النفطي كزلزال اجتماعي، وعبد الله الغذامي الذي أعاد تعريف النقد، وسعد البازعي الذي فتح الثقافة السعودية على النقد العالمي، ورجاء عالم وليلى الجهني اللتان قدمتا صورة المرأة السعودية في نصوص تنبض بالحياة، وعبده خال الذي حمل الجرأة في مواجهة المسكوت عنه، وعبدالله ثابت الذي حمل تجربته الأدبية بروح متمردة ووعي مختلف، ومحمد الثبيتي الشاعر الذي أسس مدرسة شعرية خاصة وجدد اللغة بروح الصحراء، ومعهم أصوات لاحقة مثل محمد حسن علوان، وأميمة الخميس، وتركي الحمد، ويوسف المحيميد، وزينب حفني، وأحمد الملا.

قبل النفط، كانت الثقافة تنبض في القصيدة النبطية والحكاية الشفهية في الحجاز، كان الحج والتجارة يجلبان أفكارا من القاهرة ودمشق وقرطبة، وفي نجد كانت الصحراء تحفظ الموروث الشفهي بكل صلابته. ومع النفط، تبدل المشهد سريعا المدن كبرت، والتعليم النظامي انتشر، ووسائل الإعلام دخلت البيوت. وكانت “مدن الملح” لعبد الرحمن منيف، بمثابة المرآة القاسية التي أظهرت ما أحدثه النفط من خلخلة في القيم والهويات ،،

لكن مع الحداثة جاءت الرقابة المزدوجة: سلطة رسمية وسلطة اجتماعية. كثيرون كتبوا بالرمز، أو نشروا خارج الحدود، وكان المثقف يسير على حبل مشدود بين التعبير والخوف ، ثم جاءت حقبة الصحوة، التي لم أعشها بوعي، لكنني سمعت عنها بما يكفي لأدرك حجم الانغلاق الذي فرضته؛ الفنون تراجعت، والكتب منعت، والمثقف إما أن يلتزم الصمت، أو يبحث عن طرق ملتوية لتمرير أفكاره ،

اليوم ونحن في زمن وزارة الثقافة والهيئات المتخصصة، تغير المشهد جذريا الرواية السعودية تحصد الجوائز، والأفلام تعرض في المهرجانات العالمية، والفنون البصرية تجد منصات دعم وعرض، والموسيقى والمسرح يعودان إلى الحياة العامة ، أصبح المثقف شريكا في صناعة المشهد، لا مجرد مراقب على الهامش ،

لكن التحديات باقية العولمة تحمل فرصا هائلة، لكنها قد تجرنا إلى استنساخ أشكال وقوالب لا تشبهنا ، وسائل التواصل الاجتماعي أعطت المنابر للجميع، لكنها جعلت الضجيج يعلو على الأصوات العميقة ، وبين المثقف الحقيقي ومدعي الثقافة، يظل الفارق هو العمق والصدق ،

كمثقفين شباب، أمامنا فرصة أن نصوغ مشروعا ثقافيا جديدا، مشروعا يحفظ الأصالة، ويعمق الحداثة، ويؤصل النقد كأداة حياة ، الثقافة السعودية مثل نخلة تضرب جذورها في الصحراء، وتفتح أوراقها نحو سماء العولمة يمكنها أن تكون نموذجا لمجتمع يدخل العصر الحديث دون أن يذوب فيه ، المهم أن نبقى حراسا للأسئلة لا أسرى للإجابات الجاهزة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى