مقالات

الوحدة.. سكون الروح ونداء الوجود …. بقلم الكوتش والمدرب رياض السديري

الوحدة ليست فراغًا يلتهمنا، بل مرآة صافية ظم تعكس ما في أعماقنا. حين تنسحب الأصوات من حولك ويغيب ضجيج العالم، يعلو صوت آخر خافت.. صوتك الداخلي الذي ظل طويلًا يتوارى خلف الأحاديث والابتسامات والعلاقات العابرة.

الوحدة امتحان.. قد تجرحك، لكنها أيضًا تُطهّرك. ففيها تتجرد من الألقاب والمظاهر، وتعود إنسانًا عاري القلب، لا يسترك إلا صدقك مع نفسك وربك.

ما أصعب أن تمتلك الناس حولك ولا يمتلكك أحد، أن تملأ مجالسك بالوجوه وتظل بلا وجه واحد تصدق نظرته إليك. ولكن الأصعب – والأجمل في آنٍ – أن تكتشف أنّ في قلبك مساحة فسيحة لم يطأها إلا الله، وأنه في وحدتك يرسل إليك أنفاسه، كأنه يقول: “أنا هنا، فلا تخف.”

الوحدة تعلمك أن الحب ليس ازدحامًا من حولك، بل حضور صادق واحد يكفي. تعلمك أن القيمة ليست في كثرة الذين يصفقون لك، بل في ذلك الذي يراك حين تنهزم، ويمسك يدك قبل أن تسقط.

وحين تصغي جيدًا لصمتك، تدرك أن الوحدة لم تُخلق لتعاقبك، بل لتدلّك: أن الإنسان بلا الآخر هشّ، وبلا الله منطفئ. وما أعمق أن تفهم أن أعظم صحبة تبدأ من داخلك؛ من سلامك مع نفسك، ومن طمأنينتك بأنك لست وحيدًا مادام في قلبك يقين أن الله أقرب إليك من حبل الوريد.

ابحث عن الرفيق، نعم.. لكن لا تجعل البحث يستنزفك حتى تنسى أن أعظم رفيق لا يغيب. واعلم أن الوحدة ليست دائمًا خصمًا، بل قد تكون بوابة لصحبة أنقى.. صحبة مع ذاتك التي أهملتها، ومع خالقك الذي لم يتركك يومًا.

فمن ذاق حلاوة السكون مع الله، أدرك أن الوحدة ليست فراغًا، بل امتلاءٌ لا ينفد.. وأنه حتى لو غاب البشر، يبقى لك حضن أوسع من الدنيا كلها، حضن الرحمة الإلهية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى