
أغنياتٌ لا تُلَحَّنْ
قصة قصيرة
الكاتب عبدالله النصر-السعودية
في المخزنِ المهجورِ الصغيرِ القابعِ على حافةِ المزرعةِ التي تلاشى نتاجُها، اجتمعتِ الأدواتُ الفلاحيةُ في ولهٍ شلاليٍّ.
المنجلُ الطويلُ، المعقوفُ، اهتزّ على رفِّه الخشبيِّ، يتذكرُ يدي الفلاحِ (سليمانَ) التي أمسكتْ به صباحَ كلِّ يومٍ، كيف كان يقطعُ (الكَرَبَ) المتهالكَ من النخلةِ بخفّةٍ. قال بشوقٍ:
- كم كنتُ أحتضنُ كفَّه الرطبةَ.. الآن أشتاقُ إلى دفءِ لمساتِها.
وتحرّك شعاعٌ خفيفٌ من الضوءِ على حدودهِ المعدنيةِ الحادّةِ، وكأنّه يتنفّسُ مع ذكرياتِه.
(المَحَشُ) تذكّرَ ابتسامةَ (سليمانَ) بينما يجزُّ به البرسيمَ للبهائمِ المتضوّرةِ جوعاً، ويرفعُ به الحشائشَ التي تغطي وجهَ الأرضِ وثمارَ الأشجارِ، فتسفرُ مرتاحةً، وقالَ:
- كلُّ حركةٍ منه في الجزِّ، كانت ضحكةً، والآن صمتٌ قاتلٌ.
وتمايلتْ أسنانُ المَحَشُ المعدنيةُ برفقٍ، متفاعلةً مع صدى الصوتِ الغائبِ.
(السَّخْينُ) المحراثةُ اليدويةُ، رفعتْ رأسَها الحديديَّةَ العريضةَ، تذكّرتْ قطعَ الأرضِ التي تنفستْ الحياةَ بها، حين شقَّها (سليمانُ) وخلخلها بالهواءِ، وأجلى عنها الشوائبَ. فهمستْ بألمٍ:
- كنتُ أستيقظُ معه كلَّ فجرٍ، والآن يبتعدُ صوتُه عني.
ورجف رأسُها قليلاً مع نسيمِ المساءِ، كأنّه تحرّك على وقعِ الحنينِ.
الكَرُّ، أيضاً، تذكّر شعورَ (سليمانَ) بالأمانِ عند الصعودِ به إلى أعلى النخلةِ، فيصفّفُها ويرتّبُها كي تَظهرَ كفتاةِ عرسٍ، وقالَ بشوقٍ محتدمٍ:
- ياااه، كم كُنا نحلقُ معاً، والآن وحدي ملتصقٌ بالجدارِ، لا يمكنني التحليقُ؟.
وزفرتْ نفسَه كثيراً، وكأنّه يحاكي حركةَ الرياحِ بين ملامحِه القديمةِ.
الزنبيلُ كذلك، تذكّر الثمارَ اليانعةَ، ذاتَ الرائحةِ الجميلةِ النفّاثةِ، التي تملؤه بها يدي (سليمانَ)، كلَّ حينٍ، فردّد بحزنٍ عميقٍ:
- كنتُ أحملُ العالمَ والحياةَ معه، والآن لا أحملُ إلا غبارَ المخزنِ فقط.
فتحركتْ حافةُ الحبالِ بلطفٍ، وكأنَّ الزنبيلَ يتأوّهُ من الحنينِ.
تصرّمتِ الأيامُ، وكلُّ حركةٍ كانت تذكرُ الأدواتَ بدفءِ (سليمانَ) وحنانِه لها، وعنايتِه بها، وكلُّ أثرٍ على الأرضِ كان شهادةَ غيابِه.
وفي إحدى الأمسياتِ، ظهر (سليمانُ) عند بوابةِ المخزنِ، كتفاه مثقلانِ بأصداءِ الزمنِ، ويداهُ المرتجفتانِ تحملان أثرَ الأيامِ العجافِ. ابتسمَ للأدواتِ الوالهةِ، ابتسامةً مريضةً، لم يستطع الاقترابَ، جسده العجوزُ لم يعد قادرًا على العملِ، عجزتْ يديْه عن رفعِ الأدواتِ كما اعتاد.
لكن في يومٍ آخرَ، بصرْنا أرضَ المزرعةِ تقيمُ عرساً شامخاً، ترقصُ من تحتِ كلِّ الأشياءِ، تهزُّها، وكلُّ شيءٍ شعر بكلِّ خطوةٍ وكلِّ نبضةٍ منها، وقالتْ بصوتٍ متفاخرٍ:
- بل أنا، كم وكم اشتقتُ إليه، وها هو قد عاد حيث ينتمي.
- احتضنتُه، وكأنَّ غيابَه لم يكن قط.



