مقالات

التحكم الذاتي والسيطرة الانفعاليه وتهم السذاجة في مواجهة ثقافة التشكيك

في مجتمعات مأزومة بالخوف والانكماش، بات الإنسان المتزن، الذي يتعامل بمرونة وتلقائية واتزان، هدفًا سهلًا لسوء الفهم والتأويل. يُرمى عليه وصف “الساذج”، أو “الطيب بزيادة”، أو “الذي يثق بسرعة”، إما جهلًا بطبيعة هذا النمط من التفاعل الناضج، أو تعمّدًا في التشويه استنادًا إلى عُقد الرأي الجمعي، التي تمجّد التصلّب، وتُقدّس التخوّف والتحذّر من المرونة والانسيابية في التعامل مع الآخر دون مخاوف فوبوية، وتربط بين الذكاء والانكماشية والتعقيد المتوجّس المُترقّب للشر.

لكن الحقيقة التي يوضحها علم النفس السلوكي والتحليلي، أن الأحكام المتعجلة التي تُطلق على الأشخاص المرنين، لا تعكس صفاتهم، بل تكشف عن دوافع تعويضية، ومشكلات ضبط داخلي غير محلولة لدى مطلقي الأحكام أنفسهم.

فما الذي يجعل من الشخص المرن، المتقبّل للآخر بكل عُقَده وردوده، باتزان واستيعاب لما وراء اللفظ والحركة، يبدو في أعين البعض شخصًا “ساذجًا” أو “ضعيف الوعي الاجتماعي”؟ ولماذا أصبحت المرونة النفسية والسلوكية، التي تشير غالبًا إلى قدرة عالية على التنظيم الذاتي والانفصال عن ردود الفعل الفوضوية، محل اتهام بدل أن تكون محل فحص؟

🔍 أولًا: الإسقاط الدفاعي

واحدة من أكثر آليات الدفاع النفسي بدائية وانتشارًا، هي الإسقاط. حين يعجز الفرد عن التعامل مع حالة داخلية معينة، يقوم بإلصاقها بغيره حتى لا يشعر بالتهديد منها.

الشخص المتحفز دومًا، الذي بنى سلوكه على قاعدة: “كن دائم الترقب ولا تُظهر الراحة”، حين يرى شخصًا آخر يتصرف دون دفاعية، يُصاب بالارتباك.
فهو لا يملك أدوات تفسير تلك الراحة النفسية الظاهرة، ولا يتحمل نموذجًا يختلف عن نظامه الداخلي، فيلجأ إلى تصنيفه كمن لا “يدرك حجم المخاطر” أو “لم تمر به الحياة بعد”.

الحقيقة أنه لا يرى ضحية، بل يرى كفاءة لم يستطع تحقيقها في نفسه.
فيترجم ما لا يفهمه إلى “سذاجة”، ليتفادى مواجهة هشاشته هو.

🧠 ثانيًا: العقلية المأزومة

البيئات القائمة على الشك، والممارسات التربوية المعتمدة على التهديد والرقابة، تُنتج أشخاصًا يرون أن كل ما لا يحمل توترًا هو بالضرورة استهتار أو تهور.

في هذه البيئات، يتم اعتبار التحفظ المفرط نضجًا، والانكماش قدرة عقلية، والتفاعل المنضبط بالخوف سلوكًا رشيدًا.
وبالتالي، حين يظهر شخص يتعامل بهدوء، لا يتفاعل مع كل كلمة كأنها تهديد، لا يحتاج إلى جهد زائد لتفسير كل حركة، يصنّف مباشرة على أنه “ساذج”.

لكن هذا الحكم السريع لا يُنتج عن تحليل موضوعي، بل عن صدمة مفاهيمية أمام نمط مختلف من التنظيم النفسي، نمط يتجاوز القلق الاجتماعي الذي تربّى عليه الحاكم نفسه.

🧱 ثالثًا: أزمة في الهوية الذاتية

الذين لم يُصيغوا هوية نفسية متماسكة، يعتمدون على ردود الفعل الخارجية لبناء شعور زائف بالثقة. لذا، تجدهم يبالغون في الالتزام بالأنماط المتوقعة: التكلف في الكلام، التحفظ في الآراء، وإظهار الحذر حتى عندما لا يكون هناك داعٍ له.

حين يظهر شخص لا يتقيد بهذه الأنماط — يتحدث براحة، يُبقي مشاعره تحت السيطرة، ولا يحتاج لتمثيل موقف ليُثبت وعيه — فإنهم يشعرون بالتهديد.

فهم يدركون ضمنيًا أن ما يفعله لا يحتاج إلى مجهود دفاعي، بينما هم يبذلون جهدًا مستمرًا فقط للظهور متماسكين.
ومن هنا، تبدأ محاولة إسقاط التهم: “ما عنده حدود”، “طيب بشكل مفرط”، “ما يحسب عواقب تصرفاته”.

لكن هذه التهم لا تفسر حالته، بل تفضح حالة من الانكشاف الداخلي عند من يطلقها.

✅ الخلاصة النفسية

حين يُوجّه النقد لشخص متزن نفسيًا بأنه “ساذج” أو “طيب لدرجة الغباء” أو “لا يفهم الدنيا”، فإننا لا نقرأ تشخيصًا موضوعيًا، بل نرى دفاعًا ذاتيًا يائسًا من شخص يشعر أن توازنه النفسي مهدد بمجرّد رؤية نمط مختلف من الهدوء.

هم لا ينتقدون الشخص نفسه، بل يهاجمون النموذج الذي يذكرهم بأنهم لا يزالون يخافون من الناس، ويخشون التعبير، ويرتبكون من التلقائية.

🪞 في المرآة الأخيرة

الشخص المرن نفسيًا، المتزن انفعاليًا، المتقبّل لتنوع الآخرين وقدرتهم على الفوضى أو التوتر، لا يحتاج إلى أقنعة أو دفاعات مفتعلة.

وليس لأنه لا يفهم المخاطر، بل لأنه فهمها، وقام بتعديل طريقته في التعامل معها، دون أن يبني شخصيته حولها.
وبالتالي، فإن اتهامه بالسذاجة لا يدل على سذاجته، بل يكشف عن الارتباك المعرفي لدى من يرى السلوك النفسي المتزن أمرًا غريبًا.

السذاجة الحقيقية، في هذه الحالة، ليست في المرونة، بل في الاعتقاد بأن الخوف هو الحصن الوحيد، وأن ضبط النفس لا يتم إلا بالتوتر، وأن التقبل المرن يعني الغفلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى