
“الاختبارات بين الماضي والحاضر” بقلم الكاتب والإعلامي عبدالله العيسى
في الماضي، كان أسبوع الاختبارات يسوده جوٌّ عام من التوتر والقلق، يشمل جميع فئات المجتمع في الحي السكني، لدرجة أن أي نوعٍ من الترفيه أو السهر كان يُمنع في أزقة الحي احترامًا للطلاب. وكان الجميع يقدّر قيمة هذه الفترة؛ فيخفّضون أصواتهم، وتُغلق أجهزة التلفاز مبكرًا، وكأن الحي بأكمله يعيش حالةً من الانضباط الجماعي. وكان هذا الجو يزرع في نفوس الطلاب شعورًا بالمسؤولية، ويعزّز أهمية الجد والاجتهاد، ويجعل النجاح هدفًا مشتركًا بين الطالب وأسرته ومجتمعه.
أما في وقتنا الحاضر، فقد اختلفت الصورة بشكلٍ واضح؛ إذ لم تعد الاختبارات تحظى بالمهابة نفسها، وتراجع ذلك الشعور الجماعي الذي كان يحيط بالطالب ويشجّعه على التركيز. وأصبحت وسائل الترفيه متاحة في كل وقت، وانتشرت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، مما جعل الطالب يعيش في عالمٍ مليء بالمشتتات. ورغم أن التقنية سهّلت الوصول إلى المعلومة ووفّرت أساليب تعليمٍ حديثة، فإنها في المقابل قلّلت من جدّية الاستعداد للاختبارات لدى بعض الطلاب.
كما أن نظرة المجتمع إلى الاختبارات تغيّرت؛ فلم تعد حدثًا عامًا يؤثر في الجميع، بل أصبحت مسؤولية فردية يتحمّلها الطالب وحده. وقد يخفف هذا التحول الضغط النفسي أحيانًا، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى ضعف الدافعية وقلة الانضباط لدى البعض.
وفي الختام، يمكن القول إن الفرق بين اختبارات الماضي والحاضر لا يكمن في صعوبتها بقدر ما يكمن في الأجواء المحيطة بها؛ فاختبارات الأمس تميّزت بالجدّية والدعم المجتمعي، بينما تمتاز اختبارات اليوم بالمرونة وسهولة الوصول إلى المعرفة. ولعل الحل الأمثل هو الجمع بين إيجابيات الماضي والحاضر، بانضباطٍ يحترم قيمة العلم، ومرونةٍ تراعي نفسية الطالب، ليبقى التعليم وسيلةَ بناءٍ لا عبئًا ثقيلًا.



