مقالات

فجر يتيم وحنين .. لا يتسع له الكون للكاتب سعود السحيمي

مع طلوع فجر هذا اليوم…
وفي زاوية من بيتنا القديم فى احدى الاحياء التى يضح بالحياة حيث تختلط الأصوات كأنها معركة لا تهدأ،
جلست أحاول أن أكون هادئا بين الوجوه لا شئ يخصّني ولا أحد يشبهني. كان المكان مجرد محطةٍ عابرة أؤدي فيها طقس الإفطار. دون أن أتوقع أن لحظةً واحدة كفيلة بأن تعيد تشكيلي من الداخل.

تسلل إلي ذلك الشعور دون استئذان. كطعنة تعرف طريقها جيدا حين تذكرت الإفطار من يديها. لم يكن طعاما عاديا انما كان معنى كاملا للحياة. طمأنينة تقدم على مهل وصباحا يولد من دف قلبها. ويدا كانت تطعم روحي قبل أن تطعم جسدي. لم أكن أدرك آنذاك أن تلك التفاصيل الصغيرة ستتحول يوما إلى وجع لا يحتمل.

في تلك اللحظة خفت الاصوات من حولي أو ربما أنا من ابتعد عنه. بقيت جالسا في مكاني لكنني لم أعد هنا. عدت إلى بيت كان ينبض بها، إلى صباح كان يبدأ بصوتها. إلى يد كانت تختصر العالم كله في لمسة.
وبقيت أنا وهي رغم غيابها لا تغيب.

تذكرت كيف كانت تفرح بي ليس كأي فرح. كان فرحها يشبه الدعاء الصادق والعميق الذي لا يقال بقدر ما يستجاب. اليوم يفرح بي الكثيرون يهنئونني ويصفقون ويبتسمون لكن ذلك الشعور لا يعبر قلبي كما كان يفعل وهي معي. كأن كل هذا الفرح ناقص أو كأنني فقدت القدرة على الإحساس به كما ينبغي. لأن الوجه الوحيد الذي كان يمنحه معنى لم يعد هنا.

مرت السنوات وكبرت كما يفترض أن يكبر الإنسان، اشتد عودي واشتدت أيامي لكن داخلي شئ لم يكبر أبدا. جزء مني لا يزال ذلك الطفل الذي ينتظر يدها. ويطمئن بصوتها ويجد في وجودها تفسيرا لكل شئ. غيابها لم يكن حدثا عابرا انما كان فراغا اتسع حتى ابتلع الكثير مني.

حينها فقط أدركت أن بعض الفقد لا يعوض وأن بعض الأرواح لا يمكن أن تتكرر. أدركت أن الأم ليست مجرد علاقة انما هي معنى الحياة حين تضيق. وهي السند الذي لا يرى لكنه يحملنا دون أن نشعر.
كانت وطنا حين تضيق الأرض ويقينا حين يخذلني كل شئ وحنانا لا يعوض وصدقا لا يتكرر.

في ذلك الركن وبين اصوات لا ينتهي. استللت قلمي من جيبي لا لأكتب انما لأحتمي به من هذا الانهيار الصامت. كان في صدري ضيق لو وزع على هذا الكون لما اتسع له وحنين لو ترك لصمته لأغرقني. فكتبتها لأن الكتابة كانت الوسيلة الوحيدة التي تُخفف هذا الثقل وتمنحني لحظة نجاة مؤقتة.

ورغم كل شئ بقيت حقيقة واحدة لا تتغير:
أنني مهما كبرت ومهما حققت ومهما بدا علي من صلابة…سأظل أفتقدها كطفل.

رحمك الله واسكنك فسيح جناته

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى