
كبار السن في الصيف حين يُترك الحنان خلف الأبواب …. بقلم الكاتبه والاعلاميه امل المعلوي
مع كل صيف تشرق شمسه، تمتلئ الحياة بالحركة، وتُخطط العائلات للنزهات والسفر وقضاء الأوقات في الهواء الطلق. وبينما تعيش أغلب الأسر لحظات الفرح والانطلاق، هناك من يُتركون خلف الأبواب، بصمتٍ لا يسمعه أحد. كبار السن، ممن أثقلتهم السنوات وقلّت حيلتهم، يجدون أنفسهم وحيدين، لا يستطيعون الخروج، ولا يملكون من أمرهم شيئًا، وقد غاب عنهم أحبّتهم في زحمة الحياة الصيفية.
إن مشهد ترك الآباء أو الأمهات في المنازل دون مؤنس، بينما الأبناء ينشغلون بالمتعة والترفيه، مشهدٌ مؤلم بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ليس فقط لأنه يُجسد نوعًا من الجفاء، بل لأنه يتجاهل فطرة البر والرحمة التي أمرنا الله بها. قال تعالى:
﴿وَقَضىٰ رَبُّكَ أَلّا تَعبُدوا إِلّا إِيّاهُ وَبِالوالِدَينِ إِحسانًا﴾ [الإسراء: 23]فكيف يكون الإحسان؟ أهو فقط بالأعياد والمناسبات؟ أم هو في كل لحظة، وكل يوم، وخاصةً حين يكونون في أمسّ الحاجة إلينا؟
كبار السن لا يريدون كثيرًا، يكفيهم وجه مألوف، وكلمة طيبة، وصحبة تُشعرهم أنهم ما زالوا جزءًا من الحياة، لا هامشًا فيها. كثير منهم لا يستطيع الخروج لا بسبب الطقس، ولا لظروف صحية، ومع ذلك يتركون في المنزل لساعات وربما أيام، يتقلبون بين الجدران وينتظرون صوت الباب، أو رنين الهاتف… انتظارًا قد يطول، ويُرهق القلب قبل الجسد.
أبناؤنا وبناتنا، إن البرّ ليس موسميًا، ولا يُقاس بعدد الزيارات، بل يُقاس بصدق المشاعر، وحرص القلوب.
وقد قال رسول الله ﷺ:
“رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة” [رواه مسلم].
تأمل هذا الحديث، كم يحمل من تحذير وتنبيه؟ إنه يربط الجنة ببرّ الوالدين عند الكِبَر، في لحظاتهم الأضعف، لا الأقوى.
وفي مقابل ذلك، فإن برّهم سبب في البركة وسعة الرزق وطول العمر، كما جاء في الحديث:
“من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه” [رواه البخاري].
فكيف بمن يصل رحمًا هي الأقرب، وأحب، وأعظم: الأب والأم؟
الصيف ليس موسمًا للهروب من المسؤوليات، بل فرصة لنثبت فيها صدق برّنا. وإن تعذّر الخروج بهم، فليكن الجلوس معهم، أو تخصيص وقتٍ لهم، أو حتى إرسال كلمة وهدية وابتسامة، لعلها تكون أجمل ما في صيفهم. لا تدعهم يشعرون أن الحياة تمضي بدونهم، أو أن زمنهم انتهى .




