مقالات

العشر من ذي الحجة… مواسم الرحمة..ومنازل القرب …. بقلم الكاتبه خلود السفياني

حين تقبل العشر الأوائل من ذي الحجة، لا تطرق أبوابنا كأيام عادية، بل تأتي كضيفٍ كريم، يحمل في طياته نفحات رحمة، ونفوسًا مشتاقة، وقلوبًا متعبة تبحث عن طُهرٍ يعيدها إلى فطرتها الأولى.

أقسم بها الله في كتابه، فقال: “وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ”، والأقسام في القرآن ليست عبثًا، بل إشارات إلهية لعظمة ما وراءها. فالعشر الأوائل من ذي الحجة هي تاج المواسم، وزبدة العام، وأعظم الأيام التي تمرّ على المسلم في دنياه.
قال النبي ﷺ: “ما من أيامٍ العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام”، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء”.

في هذه الأيام، تُفتح السماء للدعوات، وتتزاحم الخُطى على أبواب الخير، ويغدو العمل الصالح فيها مضاعفًا بلا حساب، فكل تسبيحة تُوزن، وكل صدقة تُضاعف، وكل دمعة في جوف الليل يُكتب لها الخلود في صحائف النور.

أما الصيام فيها، فهو من أعظم القُربات. وقد رُوي عن حفصة رضي الله عنها أن النبي ﷺ “كان لا يدع صيام تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر.”
وتتوج هذه الأيام بيومٍ لا يشبهه يوم، يوم عرفة، الذي قال فيه النبي ﷺ: “صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده.”

فهل يُعقل أن يُعرض علينا مغفرة ذنوب سنتين كاملتين مقابل يوم واحد نصومه لله؟ أيّ رحمةٍ هذه، وأي كرمٍ إلهيّ يُغدق علينا، رغم تقصيرنا؟

يوم عرفة ليس مجرّد يوم يُصام، بل لحظة مصالحة مع النفس، وميدان صدق بين العبد وربّه. من لم يُكتب له الحج، كُتبت له فرصة الاقتراب بالصيام، بالدعاء، بالبكاء بين يدي الله.
ومن لم يقف بعرفة بجسده، فليقف بقلبه، خاشعًا، منيبًا، متجردًا من دنياه، متعلّقًا برحمة الله وحده.

في العشر من ذي الحجة، تتجلى كل معاني القرب، ويكون الله أقرب لعباده مما يكون في سائر العام.
هي أيام من نور، لمن أراد أن يُبدّل حاله، ويغسل قلبه، ويبدأ من جديد.

فيا من بلغك الله هذه الأيام، لا تضيّعيها. لا تجعليها تمرّ كأنها لم تكن. خذي من نورها زادًا لعامك، ومن سكينتها دواءً لحيرتك، ومن رحماتها ما يقيك ظلمة الطريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى