
صبر الأمهات … بطولة صامتة تحفظ البيوت من الانهيار بقلم الكاتبه فاطمة الجباري
في عالمٍ مزدحم بالأحداث الصاخبة والبطولات الظاهرة، تبقى هناك بطولة صامتة لا يُسلَّط عليها الضوء كما تستحق: بطولة صبر الأمهات. هذا الصبر الذي لا يُدرَّس في المناهج، ولا يُكرَّم على المنصات، لكنه يحفظ آلاف البيوت من التصدّع، ويمنح الأجيال القادمة رصيدًا من الطمأنينة.
إن صبر الأم ليس لحظة ضعف، بل لحظة وعي. إنها تدرك تمامًا أن العائلة كيان هش، وأن التماسك لا يتحقق بالصوت المرتفع، بل بالثبات الداخلي. ولهذا تصبر… لا لأنها مجبرة، بل لأنها اختارت أن تكون السند الأخير حين تنهار الأعمدة من حولها.
كل بيت – مهما بدا قويًا – يحمل في أعماقه لحظات اختناق، وانفعالات، وتراكمات. لكن في قلب هذا كله، تقف أمٌ تصبر على التفاصيل اليومية: على المزاج، على الغياب، على خيبات الصغار، وعلى فتور العلاقات. تصبر وهي ترتب الفوضى، وتعد الطعام، وتُنصت دون أن تُقاطع، وتبتسم رغم التعب.
الأم لا تروّج لصبرها، ولا تشتكي من تضحياتها، لأنها تؤمن أن البناء الحقيقي لا يحتاج ضجيجًا، بل يحتاج اتزانًا. إنها تُمارس أقسى أنواع المقاومة: أن تبقى متماسكة في وجه ما لا يُقال، وأن تواصل العطاء في زمن الجفاف العاطفي.
ولعل أجمل ما في هذا الصبر أنه لا يُورّث الألم، بل يُورّث القوة. فالأطفال الذين نشأوا في حضن أم صبورة، يكبرون وهم يحملون في ذاكرتهم إحساسًا غير منطوق بالأمان. تلك الأم لم تدرّسهم الصبر بالكلمات، بل جسّدته في سلوكها، وزرعته في أعماقهم دون أن يشعروا.
وهنا لا بد أن نقول: كم من بيتٍ استمرّ، لا لأن الظروف كانت مثالية، بل لأن فيه امرأة عظيمة قررت أن تضع العائلة أولاً. صبرت على ما يُقال وما لا يُقال، وجعلت من الصمت موقفًا، ومن التضحية أسلوب حياة.
في زمن تُقاس فيه النجاحات بالأرقام والظهور، تظل الأم الصبورة بطلة من نوع مختلف… بطلة لا تحتاج لتصفيق، يكفيها أن ترى أبناءها بخير، وأن تستمر الحياة.



