مقالات

اللاعقلانية في العلم الحديث بقلم الكاتب الإعلامي عبدالقادر بن سليمان مكي

نعيد النظر فيما يمكن عَدُّه من المُسلَّمات في ميدان البحث العلمي مثل ضرورة الإعتماد على المنهج وما يعنيه من التقيد بمجموعة من الضوابط والقواعد التي تساعد المؤلف على البرهنة على أفكاره النظرية والوصول إلى نتائج متماسكة في ميدان تخصصه ومن هذا المنطلق يمكن إعتبار عمل المؤلف وأستاذ الفلسفة بجامعة نيويورك مايكل ستريفينز مثل “الطَرْق المُركز” في القاعدة المتينة التي أرتكز عليها فهمنا المعتاد لأصول العلم وطريقة عمله لخلخلة مثل هذا الفهم وتوجيهه إلى مسار جديد يمكن تفسير طفرات العِلم الحديث وفقاً له.
‎ودعماً لمثل هذه الرغبة في الخروج عن المألوف في التعامل مع قضايا العلم ينطلق المؤلف من سؤال أساسي هو لماذا مع ظهور الحضارات قبل آلاف السنين لم تظهر آلة المعرفة العلمية إلا قبل مئات السنين فقط ويُفسر إتخاذه مثل هذا السبيل الشائك الذي يعارض أطروحات لها مكانتها في ميدان فلسفة العلوم كتلك التي قدَّمها كل من كارل بوبر الذي عَدَّ المنهج العلمي نوعاً من المنطق يُطبِّقه العلماء لأجل الوصول إلى أهداف ينشدونها وتوماس كون الذي رأى أن قوة العلم تنبع من مكانته التي يحققها داخل التنظيم الاجتماعي الذي يحتضنه والذي يؤمن بصواب نظريات بعينها تحظى بموافقة مجموع أعضائه ويقول إن الإجابة عن هذا السؤال تُشير إلى أن هذا الأمر لم يحدث فقط بسبب غياب المنهج العلمي بالمعنى المألوف فحال ذلك دون تحقيق القفزات العلمية المرجوة.
‎فالعلم الحديث كما يكتب لم يصل إلى أثينا الديمقراطية ولم يخترعه أرسطو وأخفق في التطور في الصين منذ ألف عام على الرغم من تماسُك تلك الأمة والتقاليد العلمية والبراعة التكنولوجية ولم يظهر في كثير من الثقافات الثرية والقوية مثل المايا والأزتيك والإنكا وغيرها التي تشترك جميعها في أنها لم تخترع شيئًا في العلوم ولكن يتمثل الجواب عن مثل هذا السؤال في أن العلم هو “نوع مستوحش من التفكير ولفهم وصوله المتأخر إلى المشهد البشري نحتاج إلى النظر في الغرابة المتأصلة في المنهج العلمي”.
‎لذلك ومن أجل فك شفرة هذا المنهج وإلقاء نظرة فاحصة عليه يُخصص قسمًا كاملًا من أقسام كتابه الأربعة تحت عنوان “جدل المنهجية العظيمة” لتحليل مفهومه الذي يكتنفه الغموض النابع من غموض جوهر العلم نفسه الذي يَقْصُرُه البعض على التجريب المنضبط والبعض الآخر يحصره في الملاحظة وتذهب آراء أخرى إلى أن جوهر العلم يكمن في إتباع التقنيات الرياضية المتقدمة.
‎وينعكس هذا الغموض في فهم العلماء أنفسهم لمفهوم المنهج فكما يُشير المؤلف إلى أنه إذا أستطلعنا الأوساط العلمية فسوف نكتشف أنه على الرغم من أن العلماء يجيدون إستخدام مناهجهم “فإنهم لا يعرفون أهمية تلك المناهج ولا سبب ذلك”، بل إن كثيراً ممن درسوا مفهوم العلم عن قرب خلصوا إلى أنه لا يوجد شيء اسمه “المنهج العلمي” التي ناقشت آليات عمل العلم وشروط قدومه وكيفية بناء العقل العلمي وصيانته بوصفه آلة للمعرفة عبر سرد مكثف لوقائع بارزة من تاريخ العلوم ويذكر مايكل ستريفينز في كتابه فكرة مفادها أن قوة العلم وقدرته على الإكتشاف تتجاوز فكرة إتِّباع منهج بعينه أو التعلق بـ”الأدلة التجريبية” الموضوعية والعقلانية المرتبطة بتطبيقه في ضوء نظرية محددة تبتعد عن أي نزوات بشرية في الفكر العلمي، لكنها ترتبط بالضرورة بما سمَّاه “قاعدة التفسير الحديدية” التي تعني إمكان تحقيق إنجازات وثورات علمية عن طريق خرق قواعد الحِجاج المنطقي أي بالإعتماد على ما يمكن عدُّه عناصر “لا عقلانية” وعلى جوانب من التفكير الفلسفي والجمالي وهكذا ووفقًا لطرح ستريفينز سيزدهر العلم على نحو أفضل حين يُتاح له السير في طريقه الخاص حتى لو كان بطريقة بالغة الذاتية. 

من كتاب آلة المعرفة للمؤلف مايكل ستريفينز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى