
عزلتي … وطنٌ لا يعرف الزيف .. بقلم الاعلاميه خلود السفياني
كنت دائمًا وحيدة، أعيش الوحدة بكل تفاصيلها رغم وجود الآخرين حولي.
كانوا يعيشون حسب أفكارهم ونظرتهم الخاصة للحياة، يصدرون أوامرهم وكأنهم يريدونني أن أذوب ضمن أُطرهم الجاهزة.
لكنني لم أجد نفسي إلا في تلك الزاوية الهادئة… حيث لا ضجيج، لا تكلّف، لا انتظار.
هناك، في عزلتي، تعلمت كيف أقوّي نفسي. رتبت بعثرة حياتي، لملمت شتات روحي، وأدركت أنني لا أحتاج إلا إلى صدقي مع ذاتي.
أنا لست حزينة بعزلتي، بل أشفق على من يظن أن العزلة مرض أو ضعف.
ففي وحدتي، انكشفت لي أشياء كثيرة كانت غامضة…
رأيت بعين القلب، وسمعت بصمت التأمل، وتصالحت مع كل ما ظننته يومًا يؤلمني.
هنا، في هذا الركن الذي لا يشاركني فيه أحد، عرفت أن عزلتي مصدر سعادتي
في زحمة الحياة وضجيج العلاقات، كنت دائمًا تلك الفتاة التي تمشي في الظل، تراقب بصمت، وتبتسم بتهذيب.
لم أكن منعزلة عن الناس فقط، بل كنت غريبة حتى عن نفسي في بعض اللحظات.
رغم وجود من حولي، شعرت أنني في جزيرة وحدي…
جزيرة من الأسئلة، والتأمل، والارتباك.
كان من حولي يملكون أفكارهم الجاهزة، أحكامهم المسبقة، ونظرتهم الثابتة للحياة.
يحاولون أن يشكلوا عالمي على طريقتهم، أن أعيش كما يرون، لا كما أشعر…
أوامرهم كانت تُقال بحسن نية أحيانًا، لكنها كانت تخنقني.
ومع الوقت، صرت أهرب بصمت…
هربت إلى الزاوية التي لا يراها أحد، إلى وحدتي، إلى عالمي الصغير الذي صنعته لنفسي.
وهناك، بدأت أكتشف أشياء كثيرة
حين سكنت في ركن العزلة، بدأت أسمع صوتي الحقيقي بوضوح.
لم يكن صخب الحياة يعلو فوقه كما كان من قبل.
في السابق، كنت أردد ما يُقال لي، وأقلّد ما يبدو صائبًا للآخرين.
لكن في خلوتي، عرفت أن هناك سؤالًا ظلّ يطرق أبوابي بهدوء لسنوات،
لكني لم أملك الشجاعة لمواجهته:
من أنا؟
هل أنا الفتاة التي ترضي الجميع كي لا تُرفض؟
أم التي تكبت غضبها حتى لا تُزعج أحدًا؟
هل أنا تلك البنت التي تبتسم دومًا، حتى حين تنكسر داخليًا؟
أم أن هناك “وجوه” أخرى… لم تخرج بعد للنور؟
أدركت أنني كنت أرتدي أقنعة كثيرة.
قناع البنت الهادئة، المثالية، التي لا تُخطئ ولا تُجادل.
لكن تحت هذا القناع كانت هناك فتاة تتنفس بصعوبة،
تشتاق لأن تكون حرة، أن تقول “لا”، أن تبكي دون خجل، أن تحلم دون خوف.
بدأت أُعيد طرح الأسئلة، لا على العالم… بل على نفسي.
من يحدد هويتي؟ المجتمع؟ العائلة؟ العادات؟
أم أنني أنا وحدي من يملك هذا الحق؟
وكلما أجبت عن سؤال، ظهر آخر،
لكن لأول مرة لم أخف من تلك الأسئلة، بل كنت أستقبلها وكأنني أفتح بابًا جديدًا نحو نور لم أره من قبل.
لم أعد أبحث عن نسخة مثالية مني…
بل عن النسخة الصادقة، النقية، التي تعرف قيمتها، حتى وإن لم يُصفق لها أحد.



