
خمس دقائق كانت كافية لإعادة نظرتي للحياة
لم أكن أتصوّر أن دقائق قليلة في قسم الطوارئ قد تحمل هذا القدر من المعاني. دخلت مع صغيري بسبب نزلة برد عابرة، لكن ما رأيته خلال أول خمس دقائق كان كفيلًا بأن يوقظ في داخلي وعيًا مختلفًا، ويعيد ترتيب مفاهيمي حول الصحة، والنِّعم، والتأمل، وإعادة النظر في كل ما نظنه همًّا.
هناك، يدرك الإنسان أن الابتلاء الحقيقي ليس فيما يشغل فكره يوميًا ويستنزف روحه، بل في فقدان نعمة العافية. في تلك اللحظات، يهدأ القلب، ويرضى بكل ما قدّره الله وقسمه، ويشعر أن كل ما يمرّ به يظل هينًا أمام سلامة الجسد، ويستشعر عظيم فضل الله عليه.
مررت بجوار الطوارئ، فسمعت أنين ألم، وذكرًا لله يخرج من قلب موجوع، ورأيت سيارة إسعاف تحمل مريضًا تتألم أسرته الخوف والوجع وصدمة تعب والدهم ، وخشية الفقد. عشت لحظات ألمهم دون أن أعرف أسماءهم !!رأيت التعب في الوجوه، والدموع في العيون، والحسرة والألم معهم . وقلق الانتظار الثقيل. انتظرت معهم خبرًا يعيد الأمل، حاولت التخفيف عنهم ومواساتهم ، حتى تم تشخيص الحالة في الإنعاش. والحمد لله، انتهت الأزمة، وشُخّص الأب بانسداد في الشرايين، وبدأ الاطمئنان يعود تدريجيًا. عندها شعرت وكأن الصدر تنفّس بعد ضيق، ونسيت سبب وجودي في المستشفى، ولم يبقَ في قلبي سوى الحمد.
يمرّ على الإنسان أحيانًا موقف يفرض عليه أن يتوقّف، لا لشيء، إلا ليتأمّل، ويتدبّر، ويجلس مع نفسه بصدق. موقف يذكّره أن يحمد الله على ما أُعطي، وأن يرضى، فالحياة من حولنا مليئة بالنعم التي نعتاد وجودها حتى ننسى شكرها. نحن محاطون بالعطاء، لكن تبقى نعمة العافية أعظم رزق منّ الله به علينا، وبدونها يفقد كل شيء معناه.
عندها فقط تتغيّر المقاييس. حين ترى ابتلاء غيرك، تشكر الله على ما أنت فيه، وتدرك أن العافية تختصر كل شيء؛ الأهل، الحياة، المال والرزق ، وحتى هموم الدنيا، جميعها تتلاشى أمامها.
اللهم لك الحمد على نعمة العافية، فهي النعمة التي إن وُجدت هان كل شيء.
الحمد لله على نِعَمٍ اعتدناها… ونسينا شكرها.



