مقالات

اللعب الشهري.. تراث لا يليق به التذويب في “الخطوة الجنوبية”

في زحمة الإعلام الحديث، حيث تختلط الألوان وتُختزل الخصوصيات تحت مسمّيات عامة، أجد لزامًا عليّ – كمواطنة من جبال ثربان، إحدى حواضر بني شهر – أن أُسجّل اعتراضًا واعيًا على ما أراه طمسًا تدريجيًا لهوية فنية أصيلة، متجذّرة في وجدان القبيلة وتاريخها، وهي ما يُعرف بـ “اللعب الشهري”.

هذا اللون التراثي ليس مجرد أداء فني، بل هو تجسيد حيّ للروح الثقافية لبني شهر، وقد توارثته الأجيال في ثربان ومحيطها كما تتوارث القبائل عاداتها الراسخة ومفاخرها التي لا يُنكرها الزمان.

ومع الأسف، فإن هذا الفن العريق بات يُدرج تحت مسمّى فضفاض يُطلق عليه إعلاميًا اسم “الخطوة الجنوبية”، وهو تعميم – وإن بدا في ظاهره توحيديًا – إلا أنه يُهمّش الخصوصيات الدقيقة ويذيب الفروقات الغنية بين ألوان الجنوب التراثية، ومنها فن اللعب الشهري الذي يعبّر عن هوية خاصة لا تنفصل عن جبال بني شهر الشامخة، ولا عن وجدان أبنائها.

وقد تأثرتُ بعمق حين استمعت إلى القصيدة الطربية الجميلة للشاعر اليامي المعروف فلاح آل مخلص، التي يقول في مطلعها:

“يالاعبن لعبة الشهري وتقول خطوة جنوبية”

وهنا لا بد من التوضيح أن الشاعر لم يُقر بهذا التوصيف، بل قدّم اعترافًا واعيًا واعتراضًا ضمنيًا بأسلوب أدبي ساخر على التسمية المغلوطة التي تُطلق على هذا الفن، فهو ينسبها بوضوح لـ”لعبة الشهري”، ثم يُشير إلى ما يُقال عنها من تسميات عامة، ليكشف للمتلقي بحسٍ شعري ساخر خطأ هذا التوصيف الشائع.

وهذا ما يدعوني اليوم إلى المطالبة بلغة المحبة والاعتزاز، بإعادة الأمور إلى نصابها، وتسميتها كما هي في الأصل: اللعب الشهري.

فنحن لا نرفض وحدة الموروث ولا نفصل الجنوب عن بعضه، لكننا نؤمن أن الهوية لا تكتمل إلا حين تُحترم تفاصيلها الدقيقة، وتُسمّى الأشياء بأسمائها الحقيقية، دون تذويب أو تمييع.

ولهذا، فإنني أوجّه ندائي إلى المؤسسات الثقافية والإعلامية والمنصات الفنية، كي تُنصف هذا الفن، وتُعيد الاعتبار لاسمه وهويته.

فـ اللعب الشهري ليس مجرد حركة، بل هو ذاكرة وكرامة فنية لقبيلة بني شهر، ولا يحق لأحد أن يُبدّله أو يُلغي تسميته تحت أي مسمّى آخر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى