مقالات

“لعنة الإنجاز” .. الفخاخ الخفية للنجاح …. بقلم الكاتب حمد حسن التميمي

أجمل ما في لحظة النجاح أنها تُشعرك أخيراً أن كل ذلك الجهد كان يستحق العناء. تصفيق، تهاني، نظرات إعجاب… وكلها تغري الإنسان أن يصدق أن الطريق انتهى هنا، وأنه وصل إلى محطة الراحة التي لا عودة بعدها. لكن ما لا يراه كثيرون هو أن هذه اللحظة نفسها قد تكون بداية الانحدار إذا تحول الإنجاز من محطة عبور إلى مقعد دائم للاسترخاء.
بعد إنجاز كبير، يتسلل شعور خفي بالاطمئنان: “أنا أعرف ما أفعل… لقد نجحت من قبل، وسأنجح دائمًا”. تدريجيًا، تتحول الثقة إلى غرور، فيتراجع الاستعداد للاستماع والنقد والتعلم. الشخص الذي كان بالأمس يطرح الأسئلة، يبدأ اليوم في إغلاق الأبواب أمام الآراء المختلفة، بحجة أن خبرته تكفي. هنا تظهر اللعنة الأولى للإنجاز: وهم العصمة، وكأن النجاح شهادة ضمان ضد الخطأ.
ومع مرور الوقت، يتكون الفخ الثاني: الركود. من كان يسابق الزمن ليطور نفسه، قد يكتفي بتكرار ما فعله في السابق. يتغير العالم من حوله؛ أدوات جديدة، أجيال مختلفة، منافسون أكثر جرأة، بينما هو لا يزال يعيش على أمجاد إنجاز قديم. لا يحدث السقوط فجأة، بل على شكل تآكل بطيء في الحضور والتأثير، حتى يجد نفسه متأخرًا وهو لا يزال يظن أنه في الصدارة.
ثم تأتي العزلة الناعمة لتكمل الدائرة؛ فالنجاح يجذب حول صاحبه دائرة من الإعجاب والمجاملة، وهذه الدائرة إن لم تُراقب تتحول إلى جدار عازل عن الحقيقة. لا أحد يريد إزعاج “الناجح” بالنقد أو التنبيه، فيعتاد سماع ما يحب فقط، لا ما يحتاج. ومع غياب الأصوات الصادقة، يفقد الإنسان مرآته، فيتضخم أناه بينما يتضاءل وعيه.
ولتفكيك هذه اللعنة لا يكفي أن نحذر منها نظريًا، بل نحتاج إلى عادات عملية تحمي النجاح من نفسه؛ أن نسمح لأنفسنا بعد كل إنجاز بلحظة احتفاء قصيرة، ثم نسأل فورًا: ما الهدف التالي؟ فالقمة ليست مكانًا للإقامة، بل منصة لجبل جديد. وأن نحافظ على مساحة ثابتة للتعلم، عبر دورة أو كتاب أو مُرشد أو حتى حوار صادق مع من يرانا كما نحن لا كما نحب أن نُرى. وأن نحيط أنفسنا بأشخاص لا يخافون قول الحقيقة لنا، يذكروننا بنقاط ضعفنا قبل أن يصفقوا لقوتنا. ومع ذلك كله، نبقى منتبهين للغتنا الداخلية؛ فكلما سمعنا أنفسنا نقول: “أنا أعرف دائمًا”، نرد عليها بهدوء: “النجاح الماضي لا يضمن نجاح الغد”.
في النهاية، ليست المشكلة في الإنجاز ذاته، بل في الصورة التي نرسمها له في أذهاننا. النجاح ليس تاجًا نضعه على الرأس فنرتاح، بل مسؤولية جديدة على الكتفين تحتاج إلى تواضع أكبر مما احتجناه قبل الوصول. حين نرى القمة كبداية لا كنهاية، يتحول الإنجاز من فخ خفي إلى قوة دافعة، ويصبح النجاح نعمة مستمرة بدل أن يتحول إلى لعنة صامتة تسرق كل ما بنيناه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى