
الأثر قبل الحضور… القائد الكشفي قدوة في الفضاء الرقمي
لم يعد الوجود في المنصات الرقمية اليوم مجرد مساحة للترفيه أو تبادل الآراء العابرة، بل أصبح جزءاً أصيلاً من الهوية الشخصية والمهنية لكل فرد، وخاصة القادة الكشفيين الذين يتعاملون مع الفتية والشباب؛ ففي الحركة الكشفية حيث تقوم التربية على القدوة والعمل، يكتسب هذا الحضور بعداً تربوياً مضاعفاً، لأن ما ينشره القائد الكشفي لا يبقى مجرد كلمات أو صور، بل يتحول إلى رسائل مؤثرة تمتد آثارها إلى عقول الناشئة وقلوبهم.
إن القائد الكشفي بصفته نموذجاً يُحتذى به، يتحمل مسؤولية كبيرة في كيفية ظهوره الرقمي؛ فكل منشور، وكل تعليق، وكل صورة، يمكن أن تكون مصدر إلهام أو مصدر تشويش؛ لذلك يصبح السؤال الأهم قبل النشر: ما الأثر الذي سيتركه هذا المحتوى؟ فليس الهدف أن نكتب لمجرد الكتابة، أو ننشر لمجرد الظهور، بل أن نضيف قيمة حقيقية تُسهم في بناء وعي الفتية والشباب، وتعزز فيهم روح الانتماء والمسؤولية، وعندما يلتزم القائد الكشفي بالطرح الهادف والخطاب المسؤول، فإنه يرسّخ في نفوس المتابعين قيماً أصيلة مثل الاحترام، والانضباط، وخدمة المجتمع؛ فالمنصات الرقمية ليست مجرد ساحات للتفاعل، بل أدوات تربوية يمكن أن تتحول إلى مساحات لبناء الإنسان إذا أحسن القائد استخدامها؛ ومن هنا تأتي أهمية أن يراجع كل قائد محتواه، وأن يتساءل: هل يعكس هذا المنشور مبادئ الحركة الكشفية؟ هل يضيف قيمة؟ هل يفتح نافذة للوعي أو يغرس سلوكًا إيجابياً؟
إن الأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد الإعجابات أو حجم التفاعل، بل بعمق الرسالة وصدق النية؛ فقد تمرّ منشورات كثيرة دون ضجيج، لكنها تترك أثراً عميقاً في نفس شاب أو فتاة يبحثان عن قدوة أو كلمة توجههما؛ وقد تكون جملة واحدة سبباً في تغيير سلوك، أو تعزيز قيمة، أو إلهام مبادرة.
ومع اتساع الفضاء الرقمي، تتضاعف مسؤولية القادة الكشفيين في أن يكونوا منارات مضيئة، لا مجرد حضور عابر؛ فالقائد الكشفي الذي يعي دوره الرقمي يدرك أن كل ما يقدمه هو امتداد لرسالته التربوية، وأن القدوة الحسنة لا تتجزأ بين الواقع والإنترنت؛ إنها سلوك متكامل، يبدأ من الذات وينعكس على كل مساحة يظهر فيها الإنسان.
وقبل أن نصل إلى الخاتمة، من المهم الإشارة إلى أن بعض النماذج الملهمة في الفضاء الرقمي تُجسّد بالفعل ما نطالب به؛ ومن بين هذه النماذج ما يقدمه الأمين العام للمنظمة الكشفية العربية – مدير الإقليم الكشفي العربي، الدكتور هاني عبدالوهاب، من “قطرة” ينشرها بين وقت وآخر، هذه الرسائل القصيرة والبسيطة في ظاهرها تحمل عمقاً تربوياً واضحاً، وتُعد مثالاً عملياً على كيفية تسخير المحتوى الرقمي لخدمة الفتية والشباب، وتقديم قيمة حقيقية تُلامس احتياجاتهم وتطلعاتهم؛ وإن استلهام هذا النهج يمكن أن يساعد القادة الكشفيين على إدراك أن التأثير لا يحتاج إلى كثرة، بل إلى صدق ووعي وهدف، وفي النهاية يبقى الأثر هو المعيار الأهم؛ فالقائد الكشفي الذي يترك «قطرة وعي» في فضاء واسع، قد يسهم دون أن يشعر في صناعة نهر من القيم الإيجابية التي تبني إنساناً واعياً ومجتمعاً متماسكاً؛ وهذا هو جوهر الرسالة الكشفية: أن نكون صناع أثر، لا مجرد حضور.
مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3



