البيئه

منتجع الباخرة في فيفاء.. البيت القديم بتحول إلى وجهة تعانق السحابناجي الفيفي يهزم وعورة الجبال، ويصنع من ذاكرة المكان مشروعاً للسياحة الريفية

في الجبال حكايات لا ترويها الطرق المعبّدة، وأحلام لا تبلغها الأقدام إلا إذا قادتها عزيمة أصحابها. هناك، في أعالي فيفاء، حيث تتكئ الغابات على السفوح، وتتدلى أشجار الموز والليمون والقشطة بين المدرجات الخضراء، اختار المواطن ناجي الفيفي أن يمنح منزله القديم حياة أخرى؛ فلم يهدم ذاكرة المكان، بل أعاد تشكيلها في صورة منتجع سياحي أطلق عليه اسم «الباخرة»، لتبحر الفكرة من بين الجبال نحو آفاق السياحة الريفية.

كانت الطريق إلى المنتجع حكاية بحد ذاتها؛ مساراً متعرجاً يشق الغابات والمنحدرات، حتى استقر بنا المقام أمام مبنى استلهم هيئته من سفينة تشق عباب البحر، وإن كان مرساها هذه المرة في قلب الجبال. وهناك استقبلنا ناجي الفيفي، صاحب الفكرة والحلم، ضمن زيارة وفد صحيفة «أخباركم» الإعلامية المكون من حمد دقدقي المحرر الصحفي والاعلامي رمضان مجممي والمصور جبريل خبراني استقبلنا ناجي الفيفي بوجه بشوش وروح تحتفي بالزائرين.
استمعنا إليه وهو يستعيد البدايات، حين اقترح أحد جيرانه تحويل المنزل القديم إلى منتجع واستثماره سياحياً. بدت الفكرة يومها حلماً بعيداً تحاصره وعورة التضاريس وتحديات الوصول والإمكانات، غير أن الإصرار كان أقوى من العوائق، حتى أصبح المنزل وجهة تستقبل السياح والزوار والإعلاميين، وتمنحهم تجربة مختلفة في أحضان الطبيعة.
في «الباخرة» لا يأتي الزائر بحثاً عن غرفة يقيم فيها فحسب، بل عن فسحة من الهدوء، ومشهد بصري تتعانق فيه القمم والخضرة، وعن مذاق الحياة الريفية بما تحمله من مأكولات شعبية وجلسات عائلية وأماكن للشواء بين المزارع والأشجار. كما تتوافر شتلات متنوعة، وبعض الألعاب، وخيارات للجولات السياحية لاستكشاف الأودية والمزارع والمعالم الطبيعية، في تجربة تتيح للضيف الاقتراب من تفاصيل الحياة الجبلية القديمة.
ولعل أجمل ما في حكاية ناجي الفيفي حديثه عن فرحة الزوار؛ إذ يرى في استقبالهم وإرشادهم، وتقديم الجولات السياحية مجاناً، إسهاماً في تنشيط السياحة والتخفيف من بعض أعباء استقطاب الزوار، متطلعاً إلى أن تبلغ السياحة الريفية في فيفاء مكانتها التي تستحقها.
إن تجربة «الباخرة» تتجاوز حدود مشروع سياحي صغير؛ فهي نموذج لما يمكن أن تصنعه المبادرات الفردية حين تلتقي بمحبة الأرض وحسن استثمار مقوماتها. فالبيت الذي كان شاهداً على حياة الأمس أصبح نافذة يطل منها الزائر على جمال فيفاء، ودليلاً على أن السياحة لا تحتاج دائماً إلى منشآت ضخمة بقدر ما تحتاج إلى فكرة صادقة، وخدمات ملائمة، وإرادة تعرف كيف تحوّل التحديات إلى فرص.
ومن هنا، تبدو فيفاء أكثر من لوحة معلّقة بين السحاب؛ إنها وجهة تختزن فرصاً واعدة للسياحة الريفية، بما تملكه من طبيعة ومزارع وأودية وموروث إنساني. ويبقى نجاح هذه التجارب مرتبطاً بتكامل الخدمات، وتحسين طرق الوصول، وتطوير البنية التحتية، لتصبح المبادرات الفردية جزءاً من منظومة سياحية مستدامة.

في نهاية الزيارة، أدركنا أن بعض الأماكن لا تُقاس بمساحتها ولا بفخامة مبانيها، بل بما تتركه في النفس من أثر. وهكذا فعل ناجي الفيفي؛ أعاد إلى منزله القديم نبض الحياة، وجعل من الجبال عنواناً لحلم سياحي، ومن «الباخرة» سفينة لا تمخر عباب الماء، بل تبحر بالزائرين في فضاءات الجمال والذاكرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى