مقالات

الإحسان حين يكون العطاء بلا انتظار بقلم المستشارة الدكتوره سناء الخالدي

في زحام الأيام، وتسابق الساعات، وتصارع المصالح، نمرّ بمن يترك أثراً لا يُنسى؛ أولئك الذين يشبهون المظلة في يوم ماطر! ليس لديهم القدرة على إيقاف العاصفة من حولك، ولا يملكون سُلطةً لتبديل مصيرك؛ لكنهم يملكون قلباً يتسع ليحميك من رذاذ الألم، ويخفّف عنك حرّ الطريق.

هؤلاء هم أصحاب الأيدي الممتدة بالخير، والقلوب الخالية من حسابات الردّ والانتظار. إن العطاء الحقيقي ليس مقايضة؛ ولا هو استثمار ننتظر له ثناءً ولا شكراً ولا ردّ جميل. بل هو حالة من الإحسان النقي، يتدفق من الروح كما يتدفق الماء من الينبوع؛ يعطي لأنه لا يعرف كيف يحتبس، ويبذل لأنه يجد في البذل ذاته طمأنينة.

أن تمدّ يدك لتظلّل عابراً أرهقته شمس الحياة، أو بلّلته دموع الخيبة، ثم تمضي في طريقك دون أن تلتفت لتطلب امتناناً؛ ذلك هو السمو الإنساني في أبهى صوره. فالمظلة في يد المحسن ليست مجرد أداة للاتقاء؛ بل هي رمز للملجأ، للأمان، للقرب الذي لا يُشترط عليه مقابل.

هي تلك الكلمة الطيبة التي تُقال في وقت الضيق؛ ذلك الإنصات الصادق لقلب متعب؛ تلك المساندة الخفية التي لا يعرف بها إلا الله، ولا تشعر بها شمال العاطي. إنها اليد التي تُمدّ بلا إعلان؛ والقلب الذي يُعطى بلا مَنّ؛ والخطوة التي تُسارع لرفع ثقل دون أن تنتظر أن يُذكر اسمها.

ما أجمل أن نعيش بقلوب تشبه المظلات: بيضاء، منفتحة، واسعة؛ مستعدة دائماً لتدفع عن الآخرين مشقة الطريق، دون أن نطلب لذلك جزاءً ولا شكوراً. فالحصاد الحقيقي للإحسان لا يأتي من أيدي البشر؛ بل ينبثق سلاماً في النفس، وطمأنينةً في القلب، وغيثاً ينتشر حيثما مرّ العطاء.

من يحسن للناس من أجل الناس يتوقف عن الإحسان إذا ساءت علاقتهم به، أما من يحسن لله فإنه يستمر في العطاء مهما كانت ردود أفعال الآخرين.
إن العطاء حين يكون لله وحده؛ يصبح وطناً بلا حدود؛ يصبح مظلةً تظلّل الطريق.
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى