البيئه

البن السعودي في جبال الداير.. حكاية أرضٍ تحفظ ذاكرة القهوة وتصنع مستقبل التنميةوفد صحيفة أخباركم الإعلامية يعبر المرتفعات الشاهقة ليرصد رحلة البن من مدرجات الجبال إلى آفاق الاستثمار والسياحة الريفية

في أعالي جبال الداير بني مالك، حيث تتكئ القرى على سفوح الجبال، وتتشابك المدرجات الزراعية مع الغيوم، تنمو حكاية لا تشبه سواها؛ حكاية شجرة البن التي لم تكن يومًا مجرد محصول زراعي، بل ذاكرة إنسان، وموروث أرض، وعنوانًا لهوية اجتماعية وثقافية تناقلتها الأجيال.
هنا، في المرتفعات الجبلية بمنطقة جازان، لا تقف أشجار البن شاهدًا على تاريخ الزراعة فحسب، بل تقدم نموذجًا حيًا لقدرة الموروث المحلي على التحول إلى مورد اقتصادي وسياحي، حين تلتقي خبرة المزارع بدعم الدولة، وتتكامل المقومات الطبيعية مع برامج التطوير والاستثمار.

وفي رحلة ميدانية حملت شيئًا من مشقة الطريق وجمال الوصول، قام وفد صحيفة أخباركم الإعلامية مكون من حمد دقدقي والاعلامي رمضان مجممي والمصور جبريل خبراني بجولة في عدد من مزارع البن بمحافظة الداير بني مالك، متتبعًا مسارات هذه الزراعة العريقة بين المرتفعات والمنحدرات والطرق الجبلية الوعرة، حيث تتطلب زيارة بعض المزارع صعودًا عبر طرق متعرجة، لكنها تكشف في نهايتها عن مشاهد استثنائية من جمال الطبيعة وثراء الأرض.وكانت زيارة مزرعة سارة المالكي، بما تمثله من تجربة تجمع بين زراعة البن والضيافة والنزل الريفية، إحدى المحطات اللافتة في الجولة؛ إذ تتجاوز المزرعة مفهوم الإنتاج الزراعي التقليدي إلى تقديم تجربة سياحية تستثمر خصوصية المكان، وتمنح الزائر فرصة الاقتراب من حياة المزارعين ومشاهدة البيئة الجبلية وموروثها عن قرب.من الموروث المحلي إلى الاعتراف العالمي

لم تأتِ المكانة التي يحتلها البن السعودي من فراغ؛ فقد سبقتها جهود وطنية لتوثيق المعارف والمهارات المرتبطة بزراعته، وحفظ طرق إنتاجه وما ارتبط به من عادات وتقاليد وممارسات اجتماعية.
وفي عام 2022م، حظيت هذه الزراعة باعتراف ثقافي دولي، بإدراج المهارات والمعارف المرتبطة بزراعة البن الخولاني السعودي على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى منظمة اليونسكو، في خطوة وثّقت قيمة هذا الإرث الممتد في جنوب المملكة، وأبرزت ما تختزنه المجتمعات الجبلية من معارف زراعية متوارثة.
وجاء هذا الاعتراف امتدادًا لجهود التوثيق التي شملت المحافظات الجبلية بمنطقة جازان، وفي مقدمتها الداير بني مالك، بما تمتلكه من تاريخ طويل في زراعة البن الخولاني ومهارات العناية بأشجاره وجني ثماره ومعالجتها.

وعلى المستوى الوطني، شهدت القهوة السعودية اهتمامًا مؤسسيًا متناميًا، تجسد في مبادرة وزارة الثقافة بتسمية عام 2022م «عام القهوة السعودية»، وما صاحبها من توجيه وزارة التجارة للمنشآت التجارية باعتماد مسمى «القهوة السعودية» بدلًا من «القهوة العربية». وهو مسار يعكس أهمية هذا المنتج بوصفه جزءًا من الهوية الثقافية السعودية، وليس مجرد مشروب يرتبط بالضيافة.
دعم الدولة.. من المدرجات الزراعية إلى استدامة الإنتاج وتقف خلف هذا التحول منظومة من المبادرات والبرامج التي استهدفت تعزيز زراعة البن في المحافظات الجبلية، ومساندة المزارعين في مواجهة التحديات الطبيعية والتشغيلية، وفي مقدمتها شح المياه وصعوبة الوصول إلى المزارع ووعورة التضاريس.

وقد مثّل توفير المياه أحد أهم محاور الدعم، من خلال مبادرات سقيا مزارع البن، وتوريد المياه للمزارع المستفيدة، إلى جانب توفير خزانات المياه بما يساعد على تخزينها والاستفادة منها في أوقات الحاجة، ويخفف الأعباء عن المزارعين، خصوصًا في المواقع المرتفعة التي تتطلب حلولًا مائية تتناسب مع طبيعتها الجغرافية.

وسبق أن أطلقت الجهات المعنية مبادرة لسقيا مزارع البن في الداير وفيفا والعيدابي والعارضة، استهدفت نحو 670 مزرعة، مع توفير أكثر من 1200 رد من المياه شهريًا، في خطوة تعكس إدراك أهمية المياه لاستدامة هذا النشاط الزراعي.

كما شهد القطاع إنشاء مركز تطوير البن السعودي بمحافظة الداير بني مالك عام 2024م، ضمن مبادرات أرامكو السعودية لزراعة وإنتاج البن، بالتعاون مع هيئة تطوير وتعمير المناطق الجبلية بجازان وجمعية البر بالمحافظة. ويقدم المركز خدمات فنية وإرشادية للمزارعين، ويضم تجهيزات لتجفيف البن وتقشيره وفرزه وتغليفه، بما يدعم تحسين جودة المنتج ورفع كفاءة مراحل ما بعد الحصاد.
وهكذا لم يعد الدعم مقتصرًا على توفير الشتلات أو المياه، بل امتد إلى تطوير الممارسات الزراعية، وتحسين جودة المحصول، وتأهيل المزارعين، وتهيئة بيئة أكثر قدرة على تحويل البن إلى منتج اقتصادي قابل للمنافسة.

مهرجان البن.. نافذة تسويقية وهوية تنموية
وفي سياق هذا الاهتمام، يبرز مهرجان البن السعودي بوصفه إحدى المحطات المهمة في مسيرة التعريف بالمنتج وتسويقه، وربط المزارعين بالمستهلكين والمهتمين والمستثمرين.
وقد انطلقت تجربة مهرجان البن في محافظة الداير عام 2013م، لتتحول مع مرور السنوات إلى منصة تحتفي بالبن الخولاني، وتعرّف بمراحله الزراعية والإنتاجية، وتفتح المجال أمام المزارعين لعرض محاصيلهم والتواصل مع الأسواق.

وتتواصل هذه الجهود من خلال البرامج والفعاليات التي ينفذها المكتب الاستراتيجي لتطوير منطقة جازان، بما يعزز حضور البن في المشهد السياحي والاقتصادي، ويمنح المهرجان بعدًا يتجاوز الاحتفاء الموسمي إلى دعم سلاسل الإنتاج والتسويق والاستثمار.
فالرهان اليوم لا يقف عند زيادة أعداد أشجار البن، بل يتصل ببناء منظومة متكاملة تشمل الإنتاج والتصنيع والتعبئة والتسويق، وصولًا إلى تقديم القهوة السعودية بوصفها منتجًا يحمل اسم المكان وقيمته وهويته.
سارة المالكي.. حين تتحول المزرعة إلى وجهة سياحية
وفي واحدة من الصور التي تعكس تنوع التجارب الريفية في الداير، جاءت زيارة مزرعة سارة المالكي لتكشف عن جانب آخر من حكاية البن؛ حيث تلتقي الزراعة بالضيافة، ويتحول المكان من مساحة للإنتاج إلى وجهة تستقبل الزوار وتقدم لهم تجربة سياحية مختلفة.
فالمزارع الجبلية لا تختزن قيمة المحصول وحده، وإنما تتيح فرصًا لتطوير أنماط جديدة من السياحة الريفية، تقوم على استضافة الزائر في بيئة المزارع، وتعريفه بأشجار البن وطرق العناية بها، وما يحيط بها من عادات ومأكولات ومشاهد طبيعية.
وتجربة سارة المالكي، التي ارتبط اسمها بمشروع للنزل الريفية والتعريف بالمقومات السياحية والتراثية في جبال الداير، تقدم مثالًا على الدور الذي يمكن أن تؤديه المبادرات الفردية في تنويع النشاط الاقتصادي، وفتح مجالات عمل جديدة، وتعزيز حضور المرأة في السياحة الريفية.

إنها صورة تتجاوز حدود المزرعة؛ فالسائح الذي يصعد إلى الجبل لا يبحث عن فنجان قهوة فحسب، بل عن حكاية الشجرة، وملامح المكان، وكرم أهله، وتجربة تبقى في الذاكرة.
تحديات الجبل.. وفرص المستقبل
ورغم ما تحقق من جهود، لا تزال زراعة البن في الداير تواجه تحديات ترتبط بطبيعة التضاريس الجبلية، وارتفاع تكاليف الوصول إلى المزارع وخدمتها، واحتياجات الري، وتطوير وسائل النقل والتخزين والتصنيع.
وتستدعي هذه التحديات استمرار التنسيق بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجمعيات التعاونية والمزارعين، لتوفير حلول عملية تضمن استدامة الأشجار، وتحسين الإنتاجية، وتطوير البنية الأساسية للمزارع، وربطها بمسارات السياحة الريفية.

كما تبرز أهمية تطوير النزل والمزارع السياحية، وتأهيل الكوادر المحلية، وتقديم تجارب سياحية منظمة تجعل من موسم البن فرصة اقتصادية تمتد آثارها إلى قطاعات الضيافة والنقل والحرف والمنتجات المحلية.
شجرة البن.. ذاكرة الجبل ورهان التنمية

في ختام الجولة، بدت جبال الداير وكأنها تروي حكاية أجيال تعلقت بالأرض، وصبرت على مشقة الزراعة، وحفظت أسرار الشجرة جيلاً بعد جيل.
فبين مدرج زراعي وآخر، وبين شجرة تشق طريقها في السفح وأخرى تحمل ثمارها، تتجلى قيمة هذا الإرث الذي تجاوز حدود المكان ليحظى باعتراف عالمي، ويصبح أحد مكونات الهوية الثقافية والزراعية للمملكة.
إن مستقبل البن في الداير بني مالك لا تصنعه وفرة الأشجار وحدها، بل تصنعه منظومة متكاملة من المياه والمعرفة والتقنية والتسويق والاستثمار والسياحة؛ منظومة تحفظ للمزارع ثمرة جهده، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للبقاء في أرضها وصناعة مستقبلها.
وهكذا تظل شجرة البن في جبال جازان أكثر من شجرة؛ إنها حكاية إنسان تشبث بأرضه، وذاكرة وطن احتفظ بمذاق أصالته، وثروة طبيعية تستحق أن تنتقل من مدرجات الجبال إلى آفاق الاقتصاد والسياحة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى