
ندوة بنادي الثقافة والفنون تستعيد ملامح الحياة العلمية في المنطقة، وتستحضر رواد التعليم والأدب، في أمسية امتزج فيها التوثيق التاريخي بوفاء المثقفين
في جازان، حيث تتعانق الجبال والسواحل والقرى العتيقة، تتوزع ذاكرة العلم بين مجالس العلماء، ورفوف الكتب، وحلقات الدرس، وبين أجيال جعلت من المعرفة طريقًا إلى الحياة، ومن الأدب نافذةً على الإنسان والمكان.
من هذه الذاكرة استمد نادي الثقافة والفنون بصبيا موضوع أمسيته الثقافية التي أقامها احتفاءً باليوم الوطني، تحت عنوان «تطور التعليم والأدب في منطقة جازان قبل العهد السعودي وفي العهد السعودي الزاخر»، في لقاء جمع نخبةً من الأكاديميين والأدباء والمهتمين بتاريخ المنطقة، وفتح بابًا للحوار حول ملامح الحياة العلمية قديمًا، والتحولات التي شهدها التعليم والأدب في ظل الدولة السعودية.
لم تكن الأمسية استعادةً للماضي من باب الحنين وحده، بل محاولةً لقراءة ما تركه ذلك الماضي من جذور في الحاضر، وما يقتضيه من بحث وتوثيق، حتى لا تبقى سِيَر العلماء ومؤلفاتهم وتجارب المعلمين والأدباء شذراتٍ متفرقة في الذاكرة، بل تتحول إلى معرفة متاحة للأجيال.
من حواضر العلم إلى ذاكرة الوطن
في مستهل المداخلات، أشار الدكتور علي الصميلي إلى مكانة العلم وأهله، فيما تناول الدكتور إبراهيم أبو هادي النعمي جوانب من الحياة العلمية في منطقة جازان، مستحضرًا عددًا من حواضرها التي ارتبط اسمها بالعلم والمعرفة، وفي مقدمتها صبيا وأبو عريش وضمد، وما تمثله هذه المدن من روافد في تاريخ المنطقة الثقافي.
وتبرز أهمية هذه القراءة في أن تاريخ التعليم في جازان لا يبدأ مع نشوء المدارس النظامية فحسب، بل يمتد إلى مراحل سابقة، شهدت نشاطًا علميًا ارتبط بالعلماء والمجالس العلمية والتأليف والتدريس، وتفاوتت ملامحه بين المدن والقرى بحسب ظروف كل مرحلة.
وفي هذا السياق، حضرت أهمية الدراسات الأكاديمية التي تناولت الحياة العلمية في عدد من مدن المنطقة، وما يمكن أن تقدمه من مادة علمية تساعد على إعادة رسم المشهد الثقافي، والكشف عن طبيعة العلاقات بين مراكز العلم، ومسارات انتقال المعرفة، وأثرها في المجتمع.
وكان للحديث عن مؤلفات بعض علماء صبيا نصيب من الاهتمام، بما يثيره من أسئلة حول حفظ التراث المخطوط، وتتبع نسخه، والتحقق من أماكن وجودها. فالمخطوط ليس ورقًا قديمًا فحسب، بل ذاكرة عقلٍ اجتهد، وعلمٍ انتقل، وتجربة إنسانية تستحق أن تصل إلى قارئها بعد أن تتجاوز المسافات والعصور.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى جهود بحثية متخصصة لحصر المؤلفات، وفهرسة المخطوطات، والتحقق من مصادرها، وإتاحتها للمكتبات والباحثين؛ لتستعيد المنطقة جانبًا من تراثها المكتوب، وتمنح تاريخها العلمي سندًا توثيقيًا يحفظه من الضياع والنسيان.
التعليم السعودي.. من البدايات إلى آفاق التحول
وفي الحديث عن التعليم في العهد السعودي، اتجهت المداخلات إلى استحضار التحولات التي شهدتها المملكة منذ عهد الملك عبدالعزيز، وما صاحب بناء الدولة من اهتمام بالتعليم ونشر المعرفة، ثم ما تتابع بعد ذلك من توسع في المؤسسات التعليمية وتطور في أساليب التعليم ومناهجه.
وتكشف المقارنة بين المراحل التاريخية عن مسافة واسعة قطعها التعليم، من حلقات العلم والكتاتيب وما صاحبها من جهود فردية وأهلية، إلى المدارس النظامية والمؤسسات التعليمية الحديثة، بما حملته من فرص أوسع للتعلم، وأثر متنامٍ في تشكيل المجتمع.
وفي هذا التحول، لا يمكن إغفال جهود المعلمين والإداريين والتربويين الذين كانوا جزءًا من قصة التعليم في جازان؛ أولئك الذين لم تكن مهمتهم محصورة في قاعات الدراسة، بل امتدت إلى بناء الوعي، ورعاية المواهب، وفتح أبواب المعرفة أمام أجيال وجدت في التعليم سبيلًا إلى المشاركة في نهضة الوطن.
ومن هنا، تبدو كتابة تاريخ التعليم المحلي مسؤوليةً تتجاوز تسجيل أسماء المدارس وتواريخ افتتاحها، لتشمل سير رجاله ونسائه، وتجاربهم المهنية، وأثرهم في المجتمع، وما تركوه من تحولات في حياة الطلاب والأسر والقرى.
الأدب.. مرآة المجتمع وتحولات الإنسان
أما الأدب، فقد كان له حضوره في النقاش من خلال مداخلة الأديب والقاص عمر طاهر زيلع، التي اتجهت إلى أهمية تحديد مراحل تطور الأدب في المنطقة، والتمييز بين السرد التاريخي العام والبحث الأدبي المتخصص.
فالأدب لا يقتصر على الشعر، على ما للشعر من مكانة في الوجدان العربي، وإنما تتسع دوائره لتشمل السرد والمقامات والكتابة التاريخية وأشكال التعبير النثري المختلفة. ولكل مرحلة أدبية ملامحها، وموضوعاتها، ولغتها، وصلتها بما يطرأ على المجتمع من تغيرات.
ومن هذا المنطلق، فإن دراسة الأدب في جازان تستدعي قراءة نصوصه في سياقاتها التاريخية والاجتماعية، وتتبع انتقاله من الأشكال التقليدية إلى الكتابة الحديثة، واستكشاف أثر التعليم والصحافة والتحولات الثقافية في موضوعاته وأساليبه.
وتزداد أهمية هذا المسار حين يُنظر إلى الأدب باعتباره سجلًا إنسانيًا موازيًا للتاريخ؛ فهو يحفظ ما قد لا تسجله الوثائق الرسمية من مشاعر الناس، وتطلعاتهم، ومخاوفهم، وصورتهم عن العالم. وفي نصوص الشعراء والكتاب، كما في حكايات الرواة، تتجلى ملامح المكان وطبائع أهله وتحولات حياتهم.
إن المنطقة التي أنجبت علماء وأدباء وشعراء، واحتفظت بذاكرة ثقافية غنية، تستحق أن تُقرأ تجربتها الأدبية قراءةً علمية متأنية، تجمع النصوص، وتحقق مصادرها، وتدرس تحولات التعبير فيها، وتضعها ضمن المشهد الأدبي السعودي الأوسع.
شواهد المكان.. تاريخ أقدم من الرواية المكتوبة
وفي مداخلة الأستاذ فيصل الطميحي، برزت إشارات إلى الأهمية التاريخية للمنطقة وصلاتها القديمة بطرق الحج ومحطات الاستقرار والتجارة، وما ارتبط بذلك من آبار وأسواق ومساجد ومظاهر للحياة الاجتماعية.
كما أشار الحديث إلى قيمة النقوش والشواهد الأثرية في قراءة تاريخ جازان، وما يمكن أن تكشف عنه من ملامح الاستقرار والتواصل الحضاري في عصور سابقة. وتؤكد هذه الإشارات أهمية التكامل بين التاريخ والأدب والآثار، فكل مجال منها يضيء جانبًا من صورة المكان، فيما تتيح المقارنة بينها فهمًا أكثر اتساعًا لتاريخه.
ولا تكتمل قراءة الذاكرة العلمية والثقافية من دون الرجوع إلى مصادرها المتنوعة؛ من المخطوطات والوثائق إلى النقوش والروايات الشفوية، ومن سجلات التعليم إلى النصوص الأدبية. فالتاريخ الذي يستند إلى تعدد الشواهد يكون أقدر على تجاوز الانطباعات العامة إلى المعرفة الدقيقة.
حين يصبح الوفاء جزءًا من المشهد الثقافي
غير أن الأمسية لم تكن محاضراتٍ ومعلومات فحسب؛ فقد كان للمشاعر التي جمعت المشاركين جانبها الخاص، حين التقت المعرفة بالتقدير، واجتمع الحوار العلمي مع الوفاء لأهل الثقافة وروادها.
وقد حظي الدكتور إبراهيم أبو هادي النعمي بإشادة عدد من الحاضرين بما قدمه من مادة علمية، وما أثاره من أسئلة تتصل بتاريخ التعليم والحياة العلمية في جازان. ورأى متابعون أن ورقته تفتح أمام الباحثين مساراتٍ تستحق مزيدًا من الدراسة، ولا سيما في ما يتعلق بتوثيق التراث العلمي المحلي ومصادره.
وفي هذا السياق، جاءت كلمات التقدير التي عبّر عنها ضيف الأمسية تجاه رئيس النادي الأستاذ حسين ضيف الله مريع، والقائمين على تنظيم اللقاء والمشاركين فيه، لتؤكد أن نجاح العمل الثقافي لا يقوم على جودة المحتوى وحدها، بل يحتاج إلى بيئة تحتفي بالمعرفة، وتكرم أصحابها، وتمنح الحوار مكانته.
وقد ردّ الأستاذ حسين ضيف الله مريع بكلمات حملت معاني الامتنان والتقدير، مشيدًا بما اتسم به حضور الدكتور إبراهيم أبو هادي من عمق فكري ورفعة في التعامل، ومؤكدًا أن الثناء المتبادل بين المثقفين يعكس ما ينبغي أن تقوم عليه الحياة الثقافية من احترام وتعاون ومحبة.
وفي مثل هذه اللحظات، تبدو الثقافة أقرب إلى رسالتها الإنسانية؛ فهي لا تجمع الناس حول الكتب والأفكار فحسب، بل تتيح لهم أن يتعرفوا بعضهم إلى بعض من خلال ما يحملونه من قيم، وأن يجعلوا من الاختلاف في الرأي سبيلًا إلى إثراء المعرفة، لا سببًا للتباعد.
نادي صبيا.. تنويع الفعاليات وصون الذاكرة
ويعكس تنظيم الندوة حرص نادي الثقافة والفنون بصبيا على تنويع برامجه، واستضافة الموضوعات التي تمس تاريخ المنطقة وهويتها الثقافية، وتفتح المجال أمام الأكاديميين والأدباء والمهتمين لتبادل الخبرات والرؤى.
وتكتسب هذه الفعاليات قيمتها حين تتجاوز حدود المناسبة إلى مشروعات ثقافية مستمرة، من بينها تشجيع الدراسات المحلية، وتوثيق سير الرواد، وجمع الروايات الشفوية، والتعاون مع الجامعات والمكتبات والمؤسسات المعنية بالتراث، إلى جانب نشر البحوث التي تتيح للأجيال الجديدة التعرف على تاريخها من مصادر موثوقة.
فالمجالس الثقافية تستطيع أن تكون نقطة انطلاق لأعمال أوسع، متى ما وجدت الأفكار التي تُطرح فيها طريقها إلى البحث والتوثيق والنشر، ومتى ما تحولت الأسئلة التي تثيرها الأمسيات إلى موضوعات يتبناها الباحثون ويواصلون العمل عليها.
ذاكرة لا ينبغي أن تبقى على الرفوف
في نهاية المطاف، تترك هذه الندوة سؤالًا يتجاوز حدود القاعة: كم من تاريخ جازان العلمي والأدبي ما زال بحاجة إلى من يجمع شواهده، ويحقق نصوصه، ويعيد قراءة مراحله؟
إن الاحتفاء بالماضي لا يكتمل بالحديث عن أمجاده، وإنما يكتمل حين يصبح هذا الماضي جزءًا من المعرفة المتداولة، ومادةً للبحث والتعليم، ومصدرًا لإلهام الأجيال. فالمخطوط الذي يُحقق، وسيرة المعلم التي تُوثق، والنص الأدبي الذي يُقرأ في سياقه، كلها حلقات في سلسلة تحفظ للمكان ذاكرته، وللإنسان أثره.
ومن صبيا، التي احتفظت بمكانتها في الذاكرة العلمية والثقافية للمنطقة، تتجدد الدعوة إلى مواصلة هذا العمل؛ كي لا تبقى حكايات العلماء والأدباء محصورة في روايات المجالس، ولا تظل مؤلفاتهم بعيدة عن أيدي الباحثين، بل تصبح جزءًا حيًا من المكتبة الوطنية.
فالأوطان لا تحفظ تاريخها بالاحتفاء به وحده، وإنما تمنحه حياةً جديدة كلما أعادت قراءته بعين الباحث، وقلب المحب، وعقل يدرك أن المستقبل الذي نطمح إليه لا ينفصل عن جذورنا. وبين وفاء المثقفين لروادهم، وحرص المؤسسات الثقافية على أداء رسالتها، تبقى جازان أرضًا تتجدد فيها حكاية العلم، ويواصل الأدب كتابة سيرة الانسان والمكان
الاستاذ الدكتور حسن حجاب الحازمي
في حديثه عن تطور الأدب والتعليم في جازان خلال العهد السعودي، أعاد رسم ملامح الحياة الثقافية في المنطقة، مستحضرًا عشرة مجالس أدبية كان لها حضورها في المشهد الثقافي، ومن أشهرها مجلس عبدالقادر علاقي، الذي مثّل إحدى المساحات التي التقى فيها الأدباء وتداولوا الأفكار وتناقلوا المعارف، في زمن كانت فيه المجالس تؤدي دورًا يتجاوز الاجتماع الاجتماعي إلى احتضان الحوار وصناعة الوعي وتناول دور المجالس الأدبية والمنتديات العلمية في تشكيل الحياة الثقافية بمنطقة جازان، بوصفها مؤسسات معرفية غير رسمية أسهمت في صقل المواهب، وإثراء الحوار، وتخريج أجيال من العلماء والأدباء والشعراء، قبل ظهور الأندية الأدبية واستمرارًا لدورها.
واستعرض نماذج من تلك المجالس التي احتضنتها بيوت الأسر العلمية والأدبية في صبيا وضمد وأبو عريش وغيرها، ومن بينها مجلس أسرة آل الحكمي، وندوة قرية الخيمة التي تأسست عام 1260هـ، إلى جانب مجالس أدبية ارتادها علماء وقضاة وشعراء ومثقفون، وتنوعت موضوعاتها بين العلوم الشرعية والأدب والشعر والقضايا الاجتماعية.
وأشار المحور إلى أن هذه المجالس لم تكن مجرد لقاءات عابرة، بل كانت مدارس للحوار والمناظرة وتبادل المعرفة، أسهمت في تشكيل ملامح الحركة الأدبية في جازان، وظلت جزءًا أصيلًا من ذاكرتها الثقافية












