
فهد بن سليمان الفهيد.. قائدٌ كشفي يصنع الأثر ويغرس قيم التربية والقيادة
ليست القيادة منصباً يتولاه الإنسان، ولا مسؤولية تنتهي بانتهاء التكليف، بل هي رسالة تربوية تتجلى في بناء الإنسان، وصناعة القدوات، وترك الأثر الطيب في النفوس والمجتمعات؛ ومن بين الشخصيات الكشفية السعودية التي جسّدت هذا المعنى في مسيرتها العملية، يبرز القائد الكشفي المخضرم فهد بن سليمان الفهيد، أحد الأسماء التي ارتبطت بالحركة الكشفية في محافظة الزلفي، وأسهمت في تطوير برامجها، وتعزيز حضورها، وترسيخ دورها التربوي في تنشئة الفتية والشباب.
عرفتُ القائد فهد الفهيد منذ أكثر من ربع قرن، وهي مدة كافية لأن تتشكل لدى الإنسان صورة واضحة عن شخصية من يتعامل معه، وأن يدرك الفارق بين من يؤدي مسؤولية وظيفية، ومن يحمل رسالة يؤمن بها ويعمل من أجلها؛ وقد وجدته قائداً كشفياً وتربوياً ملهماً، يجمع بين الخبرة الميدانية، والحكمة في التعامل، والقدرة على استنهاض الهمم، والإيمان العميق بأن الحركة الكشفية ليست مجرد أنشطة ومخيمات ومراسم، وإنما مدرسة متكاملة لبناء الشخصية، وتنمية روح المسؤولية، وتعزيز قيم الانتماء والعطاء والعمل الجماعي.
تولى الفهيد عدداً من المسؤوليات في ميدان النشاط الطلابي والتربية الكشفية بتعليم محافظة الزلفي، فعمل رئيساً للنشاط الطلابي، ومشرفاً للنشاط الكشفي، ثم رئيساً لقسم النشاط الكشفي؛ وقد مثّلت هذه المواقع محطات مهمة في مسيرته، أتاحت له توظيف خبرته التربوية والكشفية في تطوير العمل، وتوسيع دائرة المشاركة، والارتقاء بمستوى البرامج والممارسات الميدانية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الاستثمار الحقيقي في الحركة الكشفية يبدأ بالفتية والشباب، ويكتمل بإعداد القادة القادرين على توجيههم وإلهامهم.
ولم تكن النقلة التي شهدتها كشافة محافظة الزلفي وليدة جهد فردي منعزل، بل جاءت ثمرة عمل مؤسسي وتعاون بنّاء مع قيادات التعليم بالمحافظة، وفي مقدمتهم الأستاذ خالد بن عبدالعزيز الجريوي، والأستاذ حمد بن صالح الجاسر، والأستاذ محمد بن عبدالله الطريقي؛ وقد أسهم هذا التعاون، بما صاحبه من إيمان بأهمية النشاط الكشفي ودوره في التربية وتنمية الشخصية، في تهيئة بيئة داعمة للعمل، أتاحت للقادة الكشفية أن يقدموا برامج نوعية، وأن يحققوا حضوراً مميزاً في الميادين الوطنية.
وبفضل هذا التوجه، لم يعد اسم كشافة الزلفي مقتصراً على نطاق المحافظة، بل أصبح حاضراً في مختلف المناسبات الكشفية الوطنية، من خلال المشاركة المتميزة، والانضباط، والتمكن من المهام، وما يعكسه أفرادها من روح الفريق والالتزام بالقيم الكشفية؛ وهذه المكانة لم تأتِ مصادفة، وإنما كانت حصيلة عمل تراكمي، وتخطيط واعٍ، ومتابعة ميدانية، وإيمان بأن التميز لا يتحقق بالشعارات، بل بالإعداد الجيد، والتدريب المستمر، ومنح الفتية والشباب الفرصة لإظهار قدراتهم وتحمل مسؤولياتهم.
ومن المحطات التي تكشف عن اهتمام الفهيد بالبنية التدريبية واستدامة التطوير، ما شهده مركز التدريب الكشفي الدائم بمحافظة الزلفي من عناية واهتمام، بالتعاون مع قائد المركز عبدالعزيز بن عبدالرحمن الغنام، ليغدو المركز نموذجاً متميزاً بين المراكز الكشفية في المملكة؛ فالمراكز التدريبية ليست مجرد مواقع لعقد الدورات وإقامة البرامج، بل هي بيئات لصناعة القادة، وتبادل الخبرات، وتنمية المهارات، وإعداد الكشافين لمواجهة متطلبات العمل الميداني بكفاءة واقتدار؛ ومن هنا، فإن العناية بهذه المراكز تمثل استثماراً بعيد المدى في مستقبل الحركة الكشفية وجودة مخرجاتها.
أما في ميادين العمل الوطني، فقد أثبت الفهيد أن القيادة الكشفية الحقيقية تُختبر في الميدان، وتظهر قيمتها في المواقف التي تتطلب الخبرة، وسرعة التصرف، وحسن إدارة الفرق، والقدرة على التعامل مع مختلف الظروف؛ وكانت مشاركته في قيادة المعسكرات الفرعية لخدمة الحجاج بمكة المكرمة والمشاعر المقدسة من أبرز المحطات التي تجلت فيها خبرته القيادية والتربوية؛ إذ جمع بين معرفة تفاصيل العمل الكشفي، والقدرة على توجيه المشاركين، والتعامل الحكيم مع المواقف، وتعزيز الثقة في نفوس القادة والكشافين؛ وفي مثل هذه الميادين، لا تكفي الخبرة وحدها لصناعة قائد ناجح، بل لا بد من سعة الصدر، وحسن التواصل، والقدرة على احتواء المواقف، وتقدير جهود الآخرين، وتقديم التوجيه في الوقت المناسب؛ وهي خصال لمستها في شخصية الفهيد، فكان قائداً يُحتذى به في تعامله، وخبيراً يُستفاد من تجربته، ومربياً يدرك أن القدوة العملية أبلغ أثراً من التوجيه المجرد، وأن احترام الإنسان وتقدير جهده من أهم مفاتيح نجاح العمل الجماعي.
ولعل من أبرز ما يميز أصحاب الرسالة التربوية الصادقة أنهم لا يتوقفون عن العطاء بانتهاء سنوات الخدمة الرسمية، ولا ينظرون إلى التقاعد بوصفه نهاية لدورهم، بل بداية لمرحلة جديدة يوظفون فيها خبراتهم المتراكمة لخدمة المجتمع؛ وهذا ما جسده الفهيد بعد تقاعده، عندما تولى إدارة مكتب رابطة رواد الحركة الكشفية في محافظة الزلفي، مواصلاً مسيرته في ميدان ارتبط به وجدانياً ومهنياً على مدى سنوات طويلة؛ وقد نجح في قيادة المكتب وتعزيز حضوره، وتفعيل دوره في خدمة رواد الحركة الكشفية، مستنداً إلى أن هذه الفئة تمثل رصيداً من الخبرات والتجارب التي ينبغي المحافظة عليها، والاستفادة منها، وربطها بالأجيال الكشفية الجديدة؛ فالرائد الكشفي ليس مجرد صاحب تاريخ في الحركة، بل هو ذاكرة حية لتجاربها، ومرجع لخبراتها، وقدوة يمكن أن تستلهم منها الأجيال معاني الوفاء والانضباط والتطوع وخدمة المجتمع؛ ومن خلال هذا التوجه، أصبح مكتب الرابطة في الزلفي نموذجاً متميزاً في أداء الدور الذي ينبغي أن تضطلع به مكاتب الرواد، من خلال المحافظة على التواصل بين أبناء الحركة، وتعزيز روح الانتماء، وتوظيف الخبرات السابقة في خدمة العمل الكشفي، وإبقاء شعلة العطاء متقدة بعد انتهاء المسيرة الوظيفية؛ وهي تجربة تؤكد أن الحركة الكشفية لا تستفيد من أعضائها في مرحلة واحدة من حياتهم، بل تظل قادرة على استثمار عطائهم وخبراتهم في مختلف المراحل، ما دامت هناك قيادة تؤمن بقيمة الإنسان وتعرف كيف توظف إمكاناته.
إن الحديث عن فهد بن سليمان الفهيد هو حديث عن نموذج للقائد الكشفي الذي جمع بين العمل التربوي والإدارة الميدانية، وبين تطوير البرامج وبناء العلاقات، وبين خدمة الفتية والشباب والوفاء لرواد الحركة الكشفية؛
وهي جوانب تكشف عن شخصية لم تتعامل مع الكشفية بوصفها نشاطاً عابراً، بل رسالة تستحق أن تُمنح الوقت والجهد والإخلاص، وأن تُقاس نتائجها بما تتركه في نفوس المشاركين من قيم، وما تنميه في شخصياتهم من قدرات، وما تغرسه فيهم من حب الوطن وخدمة الآخرين.
ولأن القادة الحقيقيين يُعرفون بما يبقى بعدهم، فإن قيمة التجربة التي خاضها الفهيد لا تختزلها المسميات الوظيفية التي تقلدها، ولا تختصرها المناسبات التي شارك في قيادتها، بل تتجلى في الكوادر التي أسهم في إعدادها، والممارسات التي ساعد على تطويرها، والسمعة التي اكتسبتها كشافة الزلفي، والخبرة التي يواصل تقديمها لرواد الحركة الكشفية؛ فهذه هي الثروة الحقيقية لأي قائد تربوي؛ أن تتحول خبرته إلى معرفة تنتقل، وأن تصبح تجربته مصدر إلهام، وأن يظل أثره حاضراً في الميدان حتى بعد مغادرته مواقع المسؤولية؛ وتظل سيرة القائد الكشفي فهد بن سليمان الفهيد جديرة بالتقدير والاحتفاء؛ لأنها تقدم صورة للقائد الذي يعمل بصمت، ويؤمن بالتطوير، ويحترم الإنسان، ويمنح التربية مكانتها المستحقة، ويجعل من القيادة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون موقعاً إدارياً.
إن الوفاء لمثل هذه الشخصيات لا يكون بمجرد الإشادة بها، وإنما بإبراز تجاربها، وتوثيق منجزاتها، والاستفادة من خبراتها، وتقديمها للأجيال بوصفها نماذج عملية لما يمكن أن تصنعه القيادة المخلصة في حياة الأفراد والمؤسسات؛ وسيبقى القائد الذي يزرع القيم، ويصنع القدوات، ويفتح أمام الشباب أبواب المشاركة والمسؤولية، أكبر من المناصب التي شغلها، وأبقى أثراً من السنوات التي قضاها في الخدمة؛ لأن المناصب تنتهي، أما أثر التربية الصادقة فيمتد من جيل إلى جيل.



