
وطنٌ نحميه بعقيدةُ الإنتماءِ وأمانةُ البناءِ
صحيفة أخباركم الإعلامية – بقلم الكاتب: عبدالقادر مكي
تختزلُ الأوطانُ في تاريخِ الشعوبِ أبعاداً تتجاوزُ حدودَ الجغرافيا والتضاريسِ؛ فالوطنُ هو الهويةُ والملاذُ، وهو الحضنُ الدافئُ الذي تولدُ في كَنَفِهِ الأحلامُ وتكبرُ بين جنباتِهِ الآمالُ ومِنْ رَحِمِ هذا الارتباطِ الوجدانيِّ العتيقِ، برزتْ مقولةٌ وطنيةٌ خالدةٌ، تداولتها الأجيالُ حتى غدتْ شعاراً للمرحلةِ ودستوراً للوفاءِ “وطنٌ لا نحميهِ، لا نستحقُّ العيشَ فيه”
وهذه العبارةُ ليستْ مجردَ كلماتٍ حماسيةٍ تُرددُ في المحافلِ، بل هي منهجُ حياةٍ، وعقيدةُ انتماءٍ، ومسؤوليةٌ كبرى تقعُ على عاتقِ كلِّ مَنْ يستظلُ بظلِّ هذا الوطنِ.
إنَّ مفهومَ “الحمايةِ” في سياقِ هذهِ المقولةِ يتجاوزُ الدلالةَ العسكريةَ المباشرةَ لفكرةِ الذَّوْدِ عنِ الحدودِ وثغورِ البلادِ بالمهجِ والأرواحِ وهو أسمى مراتبِ الحمايةِ التي يسطرُها أبطالُ القواتِ المسلحةِ والأمنِ يومياً ــ ليمتدَّ ويشملَ أبعاداً أمنيةً، واجتماعيةً، واقتصاديةً وفكريةً؛
فحمايةُ الوطنِ تبدأُ من وعيِ المواطنِ ومحاربتِهِ للأفكارِ الهدّامةِ والشائعاتِ المغرضةِ التي تستهدفُ النَّيْلَ من نسيجِهِ الاجتماعيِّ واستقرارِهِ الداخليِّ.
علاوةً على ذلك، فإنَّ حمايةَ مقدراتِ الوطنِ واقتصادِهِ، ومكافحةَ الفسادِ بشتى صورِهِ، والإخلاصَ في العملِ، والحفاظَ على الممتلكاتِ العامةِ والبيئةِ، كلها صورٌ حيةٌ وتطبيقاتٌ عمليةٌ لمعادلةِ الحمايةِ الشاملةِ. إنَّ المواطنَ الذي يؤدي رسالتَهُ بأمانةٍ وإتقانٍ سواءٌ أكانَ معلماً في فصلِهِ، أو طبيباً في عيادتِهِ، أو مهندساً في موقعِهِ هو في خطِّ الدفاعِ الأولِ عن مستقبَلِ أمتِهِ ونهضتِها.
وتضعنا المقولةُ أمامَ معادلةٍ أخلاقيةٍ صارمةٍ تربطُ بينَ “الاستحقاقِ” و”العطاءِ” فالعيشُ الكريمُ، والأمنُ الأمانُ، والتمتعُ بخيراتِ الأرضِ وثرواتِها، هي حقوقٌ يقابلُها بالضرورةِ واجبُ التضحيةِ والالتزامِ ومَنْ يتنصلُ من مسؤوليتِهِ تجاهَ أمنِ بلادِهِ ووحدتِها وقتَ الأزماتِ، أو يتهاونُ في صَوْنِ مقدساتِها، إنما يُسقِطُ عن نفسِهِ طوعاً شرفَ الاستحقاقِ الفعليِّ للمواطنةِ الحقةِ.
ختاماً، إنَّ وطنَنا ليسَ مجردَ بقعةٍ جغرافيةٍ نعيشُ فوقَها، بل هو كيانٌ حيٌّ يعيشُ فينا، وتاريخٌ مجيدٌ نسهمُ في كتابةِ فصولِهِ المعاصرةِ ولأنَّ التحدياتِ من حولنا متسارعةٌ، والتهديداتِ متعددةُ الأشكالِ، فإنَّ الحاجةَ أصبحتْ أكثرَ إلحاحاً لتمثُّلِ هذا الشعارِ واقعاً ملموساً. لنعمل جميعاً على أنْ نكونَ الدروعَ الحاميةَ للوطنِ؛ فبصمودِنا، ووحدتِنا، وإخلاصِنا، نؤكدُ للعالمِ أجمعَ أننا نستحقُّ العيشَ في هذا الوطنِ، ونستحقُّ أنْ نرفعَ رايتَهُ عالياً بينَ الأممِ.



