مقالات

سالم آل مهنا.. سبعة عشر عاماً من صناعة الصورة وتعزيز حضور الكشافة السعودية

صحيفة أخباركم الإعلامية – بقلم الكاتب : مبارك الدوسري

بعد أكثر من عقد ونصف من العمل في جمعية الكشافة العربية السعودية، يغادر القائد الكشفي سالم آل مهنا موقعه في مفوضية العلاقات العامة، تاركاً وراءه تجربة مهنية ثرية أسهمت في تطوير مفهوم العلاقات العامة في العمل الكشفي، ونقلت هذا الدور من حدود تنظيم المناسبات والتواصل الإعلامي إلى مساحة أوسع تقوم على بناء الصورة الذهنية، وإدارة الحضور، وتعزيز الشراكات، وصناعة الرسائل التي تعرّف بالمشروع الكشفي السعودي ومكانته على المستويين المحلي والدولي.

دخل آل مهنا إلى الجمعية محملاً بخبرة عملية اكتسبها من سنوات عمله في إدارة التعليم بمحافظة وادي الدواسر، إلى جانب تأهيل كشفي متقدم وممارسة ميدانية جعلته يدرك طبيعة العمل الكشفي وخصوصيته، فجمع بين المعرفة الإعلامية والعلاقات العامة وبين فهمه العميق للبيئة الكشفية، وهو مزيج كان له أثر واضح في أدائه لمهامه، وفي الطريقة التي تعامل بها مع مختلف الملفات والمناسبات التي مرت بها الجمعية.

ولم تكن العلاقات العامة في تجربته مجرد حضور في الفعاليات أو استقبال الضيوف وإدارة الزيارات، بل أصبحت عملاً متكاملاً يبدأ من التخطيط للرسالة، ويمر باختيار الوسيلة المناسبة لإيصالها، وينتهي بقياس أثرها وانعكاسها على صورة الجمعية والكشافة السعودية لدى الجمهور؛ وقد أسهم في تنظيم وتنسيق العديد من المناسبات والزيارات والبرامج، والعمل على أن يظهر النشاط الكشفي بالصورة التي تليق به، وأن تصل رسالته إلى المجتمع بأسلوب مهني قادر على استقطاب الاهتمام وتعزيز الثقة وتنمية العضوية.

وكان للحضور المتنامي لجمعية الكشافة العربية السعودية في المحافل العربية والدولية مساحة مهمة في تجربته، فقد أدرك أن مشاركة الجمعية في المؤتمرات والفعاليات الكشفية العالمية لا تنتهي بانتهاء البرنامج، وإنما تمثل فرصة لتقديم الكشافة السعودية، والتعريف بتجربتها ومنجزاتها، وبناء علاقات مهنية مع المؤسسات والقيادات الكشفية من مختلف الدول؛ وفي مشاركات مهمة، من بينها المؤتمرات والمخيمات والفعاليات التي أقيمت في سلوفينيا والبرازيل وأذربيجان والسويد واليابان وكوريا الجنوبية، حيث قدم نموذجاً للعلاقات العامة الكشفية التي تعرف كيف تستثمر المناسبة لصناعة حضور يتجاوز حدود المشاركة إلى التعريف بالجمعية وتسويق تجربتها بأسلوب مهني ينسجم مع مكانتها.

ومن الجوانب التي تحسب له كذلك أنه لم يتعامل مع مهمته باعتبارها مسؤولية فردية، بل عمل على بناء فريق من القيادات الكشفية السعودية القادرة على القيام بمهام العلاقات العامة في مختلف المناسبات، بما يضمن استمرار العمل وتعدد الكفاءات وتوزيع الأدوار. وهذه واحدة من أهم ثمار التجربة؛ فنجاح رجل العلاقات العامة لا يقاس فقط بما ينجزه بنفسه، وإنما بقدرته على صناعة فريق يستطيع أن يحمل الرسالة ويمثل الجمعية بكفاءة في المؤتمرات والملتقيات والبرامج المحلية والعربية والعالمية.

ولعل من أبرز ما ميز تجربته قدرته على التعامل مع تعدد الجمهور الذي تخاطبه جمعية الكشافة؛ فهناك جمهور داخلي يضم الفتية والشباب والقادة والقائدات، والرواد وقطاعات الجمعية ومنسوبيها، وهناك جمهور خارجي يشمل الأسر والمؤسسات الحكومية والخاصة ووسائل الإعلام والشركاء والمجتمع بمختلف فئاته، فضلاً عن الحركة الكشفية العربية والعالمية؛ وبين هذه الدوائر المتعددة كان مطلوباً أن تكون الرسالة واضحة ومتوازنة، وأن يحافظ العمل الإعلامي والعلاقات العامة على صورة الجمعية ومصداقيتها، وهو أمر لا يبدو سهلاً لمن يعرف طبيعة العمل الكشفي وتنوع فئاته العمرية، التي تبدأ من البراعم وتمتد إلى رواد الكشافة.

كما أظهرت السنوات التي عمل خلالها آل مهنا أن العلاقات العامة في العمل الكشفي تحتاج إلى معرفة بالكشفية بقدر حاجتها إلى المعرفة بالإعلام، وإلى القدرة على التواصل وإدارة المواقف والأزمات، وهو ما ظهر بصورة واضحة خلال جائحة كورونا، عندما فرضت الظروف الاستثنائية تحديات غير مسبوقة على مختلف المؤسسات، فكان لاستمرارية التواصل وتنظيم الرسائل وتنسيق العمل دور مهم في محافظة الجمعية على حضورها واستمرار أنشطتها وفق الإجراءات والاحترازات المعتمدة.

وخلال مسيرته، أسهم أيضاً في تعزيز مفهوم العمل الجماعي بين القطاعات الكشفية التي تعمل تحت مظلة الجمعية، وربط جهودها بالرسالة العامة للجمعية، بما جعل العلاقات العامة جسراً بين تلك القطاعات وبين المجتمع والإعلام والشركاء، وأتاح تقديم صورة أكثر تكاملاً عن العمل الكشفي السعودي، بعيداً عن تجزئة الإنجازات أو حصرها في مناسبات منفردة.

إن مغادرة سالم آل مهنا للعمل في الجمعية ستترك بلا شك فراغاً ليس بالهيّن، ليس لأن الموقع يرتبط بشخص بعينه، وإنما لأن أكثر من سبعة عشر عاماً من الممارسة والتجربة والعلاقات والمعرفة بتفاصيل العمل تشكل رصيداً مهنياً يصعب أن يتكرر في فترة قصيرة؛ ومع ذلك، تبقى سنة العمل المؤسسي أن التجارب لا تتوقف برحيل أصحابها، وما زرعه الرجل خلال سنوات عمله من معرفة وخبرة وفريق مؤهل يمكن أن يكون أساساً لمواصلة المسيرة، والبركة فيمن سيخلفه، بما يحمله من طموح وخبرة وقدرة على البناء على ما تحقق.

ويظل من الإنصاف عند الحديث عن تجربة سالم آل مهنا أن يُنظر إليها من زاوية الأثر؛ فقد أمضى سنوات طويلة وهو يعمل خلف المشهد أكثر مما يظهر أمامه، يصنع الترتيبات، وينسق العلاقات، ويهيئ المناسبات، ويتابع الرسائل، ويبحث عن الصورة التي تليق بالكشافة السعودية، ويهيئ من حوله للقيام بأدوارهم؛ وفي العلاقات العامة، كثير من النجاحات لا تُرى تفاصيلها، لأن نجاحها الحقيقي أن تصل الرسالة في وقتها، وأن يظهر الحدث بالصورة المناسبة، وأن تخرج المؤسسة من المناسبة وقد ازدادت حضوراً وعلاقات وثقة.

وبذلك يغادر سالم آل مهنا موقعه بعد رحلة طويلة في جمعية الكشافة العربية السعودية، لكنه لا يغادر أثر التجربة؛ فقد ترك وراءه ممارسة مهنية أسهمت في ترسيخ حضور العلاقات العامة كجزء أساسي من صناعة الصورة الكشفية، وفريقاً من القيادات القادرة على مواصلة المهمة، وشواهد متعددة على حضور سعودي كشفي عرف كيف يقدم نفسه في الداخل والخارج بصورة مهنية تليق بالمملكة وبجمعيتها الكشفية؛ وتلك، في نهاية المطاف، إحدى العلامات المهمة في مسيرة كل من يعمل في المؤسسات التطوعية؛ أن يرحل عن موقعه، ويبقى ما صنعه من أثر وخبرة وكفاءات قادرة على مواصلة الطريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى