مقالات

رمضان مجممي وجبريل خبراني.. إعلام مجتمعي تصنعه المحبة وتحفظه الذاكرة

صحيفة أخباركم الإعلامية – بقلم الكاتب: حمد دقدقي

لا يبدأ الإعلام المجتمعي دائمًا من غرفة أخبار أو كلية إعلام؛ فقد يولد من قلب الناس، ومن شغفهم بتوثيق تفاصيل المكان وحكايات أهله. ومن هذا النوع الإنساني القريب برز اسما رمضان مجممي وجبريل خبراني، رجلان لم يتخرجا في كليات الإعلام، لكنهما تعلّما من الميدان، وجعلا من محبة الوطن والناس دافعًا لتوثيق المناسبات والذكريات، وحفظ ملامح مجتمع قد يغيب كثير من تفاصيله في زحام الزمن.

لم يكن رمضان مجممي صحفيًا في بداياته، فقد تخرج في معهد صحي، وعمل في المراكز الصحية، وتنقل بين القرى والهجر، يحمل مسؤوليات عمله، ويطرق أبواب البيوت والأسر ضمن مهامه في تسجيل ملفات الرعاية الصحية الأولية وتوثيق سجلاتها.

لكن التنقل بين الأمكنة كان يفتح له في كل قرية نافذة جديدة؛ يرى وجوه الناس، ويسمع حكاياتهم، ويشهد أفراحهم ومناسباتهم، ويتأمل عاداتهم وتقاليدهم القديمة، فوجد نفسه، من حيث لا يدري، يحمل ذاكرة مجتمع كامل.

ومع الأيام تحولت عينه إلى عدسة، وذاكرته إلى أرشيف؛ فجمع آلاف التسجيلات الصوتية والمرئية، ووثّق مناسبات وطنية واجتماعية، وحفظ مشاهد ربما كانت ستغيب في زحام الزمن. ثم اقترب من الصحافة، وتعاون مع عدد من الصحف، فاكتسب من الممارسة ما لم تمنحه له قاعة دراسية، ومضى يلاحق التقنية الحديثة بخطوات الواثق الذي يعرف أن الأداة تتغير، لكن الرسالة لا تتغير.

أما جبريل خبراني، فليس بعيدًا عن هذه الحكاية؛ فقد امتلك هو الآخر عينًا تعرف أين تسكن التفاصيل الجميلة. ومع الهاتف الذكي، الذي يراه كثيرون مجرد وسيلة للاتصال، استطاع جبريل أن يصنع منه أداة توثيق، وأن يحوّل المناسبات والاحتفالات إلى أعمال بصرية تحمل روح الحدث وتفاصيله.

ولست أقول إن التجربة تغني عن العلم الأكاديمي، فلكل علم أهله، ولكل تخصص أصوله؛ لكنني أتحدث عن أولئك الذين صنعتهم الحياة على مهل، وعلّمتهم الممارسة ما لا تمنحه الكتب وحدها.

إن رمضان مجممي وجبريل خبراني يمثلان لونًا جميلًا من الإعلام المجتمعي؛ إعلامًا خرج من بين الناس، وعاش بينهم، وحمل ذاكرة المكان إلى الأجيال. وربما كان أجمل ما في تجربتهما أنهما لم يبدأا بحثًا عن لقبٍ أو منصب، وإنما بدأا بدافع المحبة؛ محبة الوطن، ومحبة الناس، والخوف على التفاصيل الصغيرة من أن تموت قبل أن تجد من يحفظها.

وهكذا تصنع المحبة أحيانًا ما لا تصنعه الشهادات؛ تجعل من الموظف راصدًا، ومن الهاوي موثقًا، ومن الهاتف كاميرا، ومن الذكرى أرشيفًا، ومن الإنسان شاهدًا أمينًا على زمنٍ مضى.

وفي زمنٍ تتسارع فيه التقنية، تبقى القيمة الحقيقية لمن يعرف ماذا يصوّر، ولماذا يوثّق، ولمن يترك بعده أثرًا يقول للأجيال القادمة: هنا كانت حياة، وهنا كان وطن، وهنا مرّ أناس أحبوا أرضهم حتى جعلوا من أعينهم ذاكرة لها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى