
سلسلة تربوية
بقلم : الإعلامية فازعة الصامطي
أسئلة تستحق أن نسألها…
هل يحتاج أبناؤنا إلى مزيد من الرقابة… أم إلى مزيد من الثقة؟
في زمنٍ لم تعد فيه أبواب العالم تُفتح بمفتاح، بل بضغطة إصبع…
وفي زمن يستطيع فيه أبناؤنا أن يصلوا إلى آلاف الأفكار والصور والأشخاص خلال دقائق، لم يعد السؤال الحقيقي:
كيف نراقب أبناءنا؟
بل أصبح:
كيف نُعدّهم ليكونوا قادرين على مراقبة أنفسهم؟
هنا تبدأ الحكاية.
نحن نريد أن نحمي أبناءنا، وهذا أمر فطري في كل أب وأم ومربٍ. نخشى عليهم من الخطأ، ومن رفاق السوء، ومن المحتوى الذي لا يناسب أعمارهم، ومن عالم رقمي لا نعرف دائمًا ماذا يحمل خلف شاشاته.
فنراقب… ونسأل… ونضع الحدود.
لكن ماذا يحدث عندما تتحول الرقابة إلى شعور دائم بأن الابن موضع شك؟
هل سيصبح أكثر التزامًا؟
أم سيتعلم فقط كيف يخفي ما لا يريد أن نراه؟
وفي المقابل، ماذا يحدث عندما نمنح الثقة بلا حدود، ونقول:
«هو يعرف مصلحته… دعه يتصرف.»
هل نكون بذلك قد منحناه الثقة؟
أم تركناه يواجه عالمًا واسعًا قبل أن نمنحه الأدوات التي تساعده على فهمه؟
بين الرقابة والثقة… توجد تربية
ربما لسنا بحاجة إلى اختيار أحدهما وإلغاء الآخر.
ربما نحن بحاجة إلى رقابة تحمي، وثقة تُبنى، وحدود تُفهم، وحوار لا يخيف.
فالطفل الذي يعرف أن والديه يتابعانه لأنه يحبان حمايته، يختلف عن طفل يشعر أنه تحت المراقبة لأنه موضع اتهام.
والشاب الذي يشعر أن أسرته تثق به لأنه أثبت مسؤوليته، يختلف عن شاب تُرك بلا توجيه باسم الحرية.
الثقة ليست غياب الرقابة… والرقابة ليست غياب الثقة.
المعادلة الأجمل أن يتحول الاثنان مع الوقت إلى شيء أعظم:
الرقابة الذاتية.
أن يغيب الأب… فيبقى الوعي.
أن تبتعد الأم… فتظل القيم حاضرة.
أن يصبح الهاتف في يد الابن وحده… فيعرف ماذا يفتح، وماذا يغلق، وماذا يصدق، وماذا يرفض.
أن يواجه موقفًا لا يراه فيه أحد… فيختار الصواب لأنه مقتنع به، لا لأنه يخشى العقوبة.
وهنا نصل إلى جوهر التربية:
لسنا نريد أبناءً يتصرفون بشكل صحيح لأننا نراقبهم، بل أبناءً يعرفون كيف يتصرفون بشكل صحيح عندما لا نكون هناك.
لكن كيف نبني هذه الثقة؟
لا تبدأ الثقة بكلمة «أنا أثق بك».
تبدأ بمواقف صغيرة:
أن نسمع قبل أن نحكم.
أن نشرح قبل أن نعاقب.
أن نعطي مساحة للاختيار، ثم نناقش نتيجة الاختيار.
أن نعترف بأن أبناءنا قد يخطئون، وأن الخطأ فرصة للتعلم وليس نهاية العالم.
أن نضع قواعد واضحة، ونوضح أسبابها، ونكون ثابتين في تطبيقها.
وأن نترك لهم مساحة يشعرون فيها أنهم أبناء لنا… لا ملفات مفتوحة للتحقيق.
والسؤال الأصعب لنا نحن…
حين نطلب من أبنائنا أن يكونوا جديرين بالثقة، هل نمنحهم الفرصة فعلًا ليكتسبوا هذه الثقة؟
وحين نراقبهم، هل نسأل أنفسنا:
هل أراقب لأحمي… أم أراقب لأنني لا أثق؟
فالفارق بين السؤالين قد يغيّر علاقة كاملة.
وفي النهاية…
لن نستطيع أن نكون بجانب أبنائنا في كل لحظة.
لن نستطيع أن نرى كل شاشة، ونسمع كل محادثة، ونعرف كل فكرة مرت في أذهانهم.
لكن بإمكاننا أن نترك في داخلهم شيئًا يرافقهم دائمًا:
وعيًا يحميهم، وقيمًا توجههم، وثقة تجعلهم يعودون إلينا عندما يحتاجون.
لذلك ربما لا يكون السؤال:
هل نحتاج إلى مزيد من الرقابة أم مزيد من الثقة؟
بل السؤال الأعمق:
كيف نربي أبناءنا حتى لا يحتاجوا إلى رقابة دائمة؟
فالتربية الناجحة لا تصنع أبناءً يخافون من غياب والديهم…
بل تصنع أبناءً يستطيعون أن يكونوا بخير حتى عندما يغيب الوالدان.
وهنا…
ينتهي مقالي الأول، لكن السؤال لا ينتهي.
فبعض الأسئلة لا تبحث عن إجابة فقط…
بل تصنع وعيًا.
أسئلة تستحق أن نسألها…
لأن جيلًا واعيًا يبدأ بسؤالٍ صادق.




