
“سبحان الله” … بقلم الكاتبه امل بنت عايش الجهني
لا أعرف كيف يتهيأ القلب للقاء شخص رحل في وجه شخص ما زال في أول الطريق ، ولا أعرف كيف تستطيع ملامح صغيرة أن تفتح في لحظة واحدة بابًا ظل موصدًا سنوات ، ثم تعيد إلى الذاكرة روحًا وابتسامة حسبنا أن الغياب أخذهما معه.
كنت أدرّسها وهي في الخامسة عشرة. غير أن الخامسة عشرة بدت أصغر من روحها بكثير ، كان في رزانتها شيء أكبر من عمرها ، وفي هدوئها نضج لا تصنعه الأيام بسهولة. لم تكن تحتاج إلى كثرة الكلام حتى يلتفت إليها أحد ، كان حضورها وحده كافيًا. تمر بالمكان فيسكن ، وتبتسم فيشعر من حولها أن الدنيا ما زالت تحتفظ بشيء من صفائها.
كانت قمة في الأخلاق والرقي ، لا على سبيل الثناء الذي تمنحه المعلمات لطالباتهن ، بل على نحو يجعل المرء يتساءل كيف اجتمع كل ذلك الصفاء في قلب فتاة لم تكد تبدأ عمرها.
كانت مهذبة من غير تكلف ، هادئة من غير انطفاء. رزينة من غير تصنع ، وكأن الله قد وضع في روحها عمرًا آخر غير العمر المكتوب في أوراقها.
كنت أراها فأشعر أنها ليست من أهل صخب هذه الدنيا ، كأنها حورية أذن الله لها أن تعبر الأرض زمنًا قصيرًا ، فمرت خفيفة. لم تؤذ قلبًا ، ولم تترك خلفها إلا الطيب. ثم رحلت إلى رحمة الله. وغابت تلك الابتسامة التي ظننت أنني سأراها تكبر مع صاحبتها ، فإذا بالعمر يتوقف بها عند صورته الأجمل.
مضت السنون ، وتعاقبت الوجوه والفصول ، وكبرت طالبات ، وجاءت أخريات ، وظلت هي في زاوية بعيدة من الذاكرة. لا تغيب تمامًا. ولا تحضر إلا حين يوقظها موقف أو تمر بالقلب ابتسامة تشبهها.
ثم جاءت ابنتها هذا العام طالبة بين طالباتي.
حين علمت أنها ابنتها لم أستطع أن أعبر اللحظة كما أعبر سائر المصادفات ، شعرت أن السنوات كلها التفتت نحوي دفعة واحدة ، وأن العمر وقف أمامي لا في عدد أعوامه ، بل في المسافة الهائلة بين أم كانت يومًا طالبة في فصلي. وابنة تجلس اليوم بين طالباتي.
نظرت إلى الفتاة فإذا بشيء من أمها يعود إلي. الرزانة نفسها والهدوء نفسه ، ثم جاءت الابتسامة فعادت معها أعوام كاملة. كانت ابنتها أمامي لكن الغائبة كانت تمر في ملامحها مرور الضوء. لا تظهر كاملة ولا يمكن للقلب أن ينكر حضورها.
في تلك اللحظة لم أشعر أنني أمام طالبة جديدة فقط شعرت أن الله أمهلني من العمر حتى أرى أثر تلك الروح النقية حيًا أمامي وكأن السنوات الطويلة لم تكن قطيعة بين زمنين بل طريقًا خفيًا عبرت منه صفات الأم حتى وصلت إلى ابنتها.
أخذت الابنة من أمها ما هو أعمق من الشبه أخذت سكينتها. وهدوء حضورها ورزانتها التي لا تدرس وتلك الابتسامة التي ظننت أن الرحيل قد أخذها معه فإذا بها تعبر الغياب وتطل من وجه ابنتها.
سبحان الله!
كم في تدبيره من أمور تقف أمامها اللغة عاجزة. وكم في امتداد الصفات بين الآباء والأبناء من معنى يوقظ القلب. مضت سنوات طويلة ورحلت الأم ثم جاءت ابنتها تحمل في ملامحها وفي أخلاقها شيئًا منها كأن الله أراد لهذا الأثر الجميل ألا ينقطع.
كان شعوري مزيجًا لا أجد له اسمًا حزن لأن الأم ليست هنا لترى ابنتها وامتنان لأن الله أطال عمري حتى أرى امتدادها بعيني وفرح خافت يشبه الدمع. لأن الابتسامة التي غيبها الموت وجدت طريقها إلي من جديد.
رحم الله الأم رحمة واسعة تليق بصفاء روحها. وحفظ ابنتها وأحاطها بلطفه. لقد ورثت منها ما هو أبقى من الملامح. ورثت جمال الروح.
ولعل هذا هو العزاء الأصدق. أن الإنسان لا ينتهي حين يتوقف قلبه. فقد يبقى منه خلق يمشي بين الناس. وابتسامة تعبر السنين. ونور صغير يهزم الغياب كلما ظن أنه انتصر.



