مقالات

فاطمة الزهراء ليست سلاحكم ….. بقلم الكاتب حمد بن حسن التميمي

لم تعد الفتنة تحتاج إلى منبر مرتفع. يكفيها هاتف، وسؤال صُمم ليكون فخاً، وجمهور ينتظر من سيُهين من. ينتهي البث الطويل، فيُقتطع منه نصف دقيقة، وتوضع فوقه ضحكة، ويُكتب تحته: “شاهد كيف أسكته”. هكذا تُفتح أقدم جراح المسلمين لخدمة أحدث منصاتهم.
في الآونة الأخيرة، تتكرر مقاطع لمحاور ديني يتابعه مئات الآلاف، يفتح بثوثاً طويلة مع متصلين من الشيعة والسنة. يدخل المتحدث باسم العلم، لكنه سرعان ما يتحول إلى لاعب يبحث عن نقطة، ويتحول محاوره إلى خصم يجب إسقاطه، ويتحول الجمهور إلى مدرج يصفق كلما ارتبك أحدهما. لا أعترض على البحث في التاريخ، ولا أطالب أحداً بالتنازل عن عقيدته، لكن ما يجري هنا ليس بحثاً هادئاً عن الحقيقة. إنها فرجة مذهبية ترتدي ثوب العلم.
وفي قلب هذه الفرجة يُستدعى اسم السيدة فاطمة الزهراء، ابنة رسول الله، وزوجة علي بن أبي طالب، وأم الحسن والحسين، ومن أعظم نساء أهل البيت مكانة في قلوب المسلمين. ورد في صحيح البخاري قول النبي: “فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني”. ومع ذلك، لا يكفي بعضنا أن يحبها؛ يريد امتلاكها، ثم يشهرها في وجه خصمه كأنها وثيقة ملكية مذهبية. ثم يأتي من يقتطع من سيرتها ما يحولها من موضع محبة إلى ملف اتهام متبادل.
فاطمة الزهراء ليست سؤالاً فخاً، ولا مادة لمقطع ساخر، ولا سلاحاً مذهبياً يُرفع كلما احتاج أحد إلى خصم يهزمه. ومن يحبها لا يحول اسمها إلى مؤثر صوتي، ولا يجعل مكانتها مقدمة لإذلال إنسان بسبب مذهبه. أما أن تختار سؤالاً تعرف أن الطرف المقابل لا يحسن جوابه، ثم تقطع ارتباكه وتعرضه بوصفه انتصاراً للدين، فذلك ليس علماً. ذلك استعراض رخيص على حساب مقدسات المسلمين.
وهنا لا أتحدث عن انطباع شخصي. ففي دراسة نشرتها مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، حللت الباحثة ألكسندرا سيغل قرابة سبعة ملايين تغريدة عربية مرتبطة بالخطاب السني–الشيعي. وأظهرت أن رجال الدين والحسابات المؤثرة ووسائل الإعلام كانوا من أبرز قنوات نشر الخطاب الطائفي، وحذرت من أن صدور اللغة الالتهابية من شخصيات يثق بها الجمهور قد يمنح الروايات المتطرفة قبولاً أوسع.
لا تعني هذه النتيجة أن كل حوار بين سني وشيعي فتنة، لكنها تعني أن صاحب الجمهور الكبير لا يملك ترف القول إن ما يفعله مجرد سؤال وجواب. حين يضع فريقين في مواجهة متكررة، ثم تُختصر كل مواجهة في منتصر ومهزوم، فإنه لا يناقش خلافاً فحسب؛ بل يدرب جمهوره على النظر إلى المسلم الآخر بوصفه خصماً دائماً.
وقد لا يقصد صاحب البث إشعال الفتنة، وقد يعتقد أنه يدافع عن الحقيقة، لكن الفتنة لا تنتظر من أحد أن يعترف بنيته. تبدأ حين يتحول الخلاف من مسألة تُبحث إلى هوية تُستفز، وحين يصبح انتصار المذهب مشروطاً بإذلال إنسان من المذهب الآخر. النيات يعلمها الله؛ أما النتائج فنراها أمامنا: جمهوران أكثر غضباً، ومسافة أكبر بين المسلمين، ومقاطع جديدة تنتظر دورها في الاشتعال.
والطائفي لا يرى الفتنة إلا في لسان خصمه. ما يقوله هو يسميه دفاعاً عن الحقيقة، وما يقوله الآخر يسميه تحريضاً. يضحك على المقطع، ويرسله إلى أصحابه، ثم يتبرأ من نتائجه. لكنه لا ينتبه إلى أن الفتنة لا يصنعها من يفتح البث وحده؛ يصنعها أيضاً من يصفق ويقتطع وينشر.
ولسنا نعيش في زمن يحتمل فتنة جديدة. المنطقة مثقلة بالحروب والدم والانقسامات، وليس في جسد هذه الأمة موضع لجرح آخر. ومع ذلك، لا يزال بعضهم ينبش في كتب التاريخ عن جرح قديم ليعيد فتحه أمام الكاميرا. والكلمة التي تبدأ نكتة في بث مباشر قد تخرج منه شتيمة، ثم تصبح كراهية، ثم يعثر عليها متطرف مستعد ليمنحها جسداً وسلاحاً.
من حق العلماء أن يختلفوا، ومن حق الناس أن يسألوا. وللبحث التاريخي مجاله ومصادره وأخلاقه؛ أما تقديمه في قالب من السخرية والإذلال فشيء آخر. ليس من حق أحد أن يحول مقدسات المسلمين إلى حلبة، ثم يبيع تذاكرها للجمهور.
يبدأ البث بسؤال، وترتفع الأصوات، ويضحك المشاهدون. وبعد ساعات، لا يكون أحد قد غير عقيدته، ولا تكون حقيقة قد اتضحت. يخرج كل فريق مقتنعاً بأنه انتصر لفاطمة، بينما اتسعت المسافة بين المسلمين وارتفع رقم المشاهدات. في ذلك البث، لم ينتصر لفاطمة أحد. انتصرت الفتنة وحدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى