
منذ الطفولة حتى الرحيل صالح زيدان الشمري … ووفاءٌ لا تمحوه الأيام .. بقلم الكاتبه سوزان الشمري
هناك صداقات تبدأ بكلمة، وصداقات تبدأ بموقف، وهناك صداقات تبدأ منذ الطفولة ثم تكبر مع أصحابها عامًا بعد عام، حتى تصبح جزءًا من الذاكرة والعمر والحياة.
لكن القليل من الصداقات هو الذي يستطيع أن يصمد أمام تبدّل الأيام، وتغيّر الظروف، ومرور السنين، ثم يبقى وفيًا حتى آخر الطريق.
ومن بين الحكايات التي تستحق أن تُروى، حكاية والدي صالح زيدان الشمري مع صديقه ورفيق عمره عقيل علي العقيل «أبو نبيل»، رحمه الله.
لم تكن صداقتهما وليدة موقف عابر، ولا علاقة فرضتها مصلحة أو ظرف؛ بل بدأت منذ الطفولة، وكبرت معهما، وحملت معها سنوات طويلة من الذكريات والمواقف والمودة.
كبر الصديقان، وتغيّرت الحياة، وتشعبت الطرق، وكثرت مسؤولياتها، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: الوفاء.
وحين فقد أبو نبيل بصره، لم تتغير نظرة والدي إليه، ولم يرَ فيه إنسانًا يحتاج إلى الشفقة، بل رأى فيه الصديق الذي عرفه منذ سنوات عمره الأولى، والرفيق الذي عاش معه تفاصيل كثيرة من الحياة.
فكان إلى جواره.
يمشي معه، يأخذ بيده، يرافقه في تنقلاته، يدله على الطريق، ويحرص على ألا يشعر بأنه يمشي في الحياة وحيدًا.
وقد تبدو هذه الأفعال بسيطة لمن يقرأها، لكنها في الحقيقة تحمل معنى عظيمًا؛ لأن الوفاء لا يظهر في الكلمات الكبيرة، وإنما يظهر في التفاصيل الصغيرة التي تتكرر كل يوم دون أن يطلبها أحد.
كانت يد والدي التي تمتد إلى يد أبي نبيل تقول دون كلام:
«أنا معك.. ولن تمشي وحدك.»
وهنا تكمن عظمة الحكاية.
فقد كان بإمكان الإنسان أن يساعد صديقه مرة، أو مرتين، أو في مناسبة معينة، ثم ينصرف إلى حياته.
لكن والدي لم يتعامل مع الأمر باعتباره واجبًا مؤقتًا، بل كان يرى أن الصداقة الحقيقية تعني أن تبقى حاضرًا عندما يحتاجك من تحب.
لم يكن يبحث عن شكر، ولم يكن ينتظر أن يراه الناس، ولم يكن يتحدث عن مواقفه.
كان يفعل ما يراه حقًا للصداقة.
وربما لهذا السبب بقيت هذه الحكاية في ذاكرة من عرفها؛ لأنها تذكرنا بأن هناك فرقًا كبيرًا بين من يتحدث عن الوفاء، ومن يعيشه.
كان والدي عينًا لصديقه حين احتاج إلى من يرشده، لكنه كان أكثر من ذلك.
كان رفيقًا يمنحه الطمأنينة، ويدًا يستند إليها، ووجودًا يشعره بأن فقدان البصر لم يعنِ فقدان الطريق.
وهذه واحدة من أجمل صور الإنسانية:
أن تساعد إنسانًا دون أن تشعره بأنه أقل منك، وأن تقف إلى جانبه دون أن تمنّ عليه، وأن تمنحه المساعدة بطريقة تحفظ له كرامته قبل أن تلبي حاجته.
ثم جاء الفراق..
رحل أبو نبيل، ورحل معه جزء من مرحلة طويلة من عمر والدي.
رحل الصديق الذي بدأت معه الحكاية منذ الطفولة، والذي عاش معه سنوات من الذكريات والمواقف، والذي كان والدي حاضرًا إلى جواره حتى آخر الطريق.
لكن الفقد لا يكون دائمًا مجرد غياب شخص.
أحيانًا يكون غياب صوتٍ اعتدناه، ووجهٍ ألفناه، وذكرياتٍ عشناها معًا، ومرحلة كاملة من العمر لن تعود.
ولم يكن رحيل أبي نبيل هو الفقد الوحيد الذي واجهه والدي في ذلك العام.
ففي العام نفسه رحل صديقه الآخر فيصل الشهوان، رحمه الله.
رحل صديقان عزيزان في عام واحد، وكأن عامًا واحدًا حمل معه من قلب والدي أكثر مما تحتمل الذكريات.
وكان لرحيلهما أثر بالغ عليه، لأن الإنسان حين يفقد أصدقاء الطفولة لا يفقد أشخاصًا فقط؛ بل يفقد شهودًا على مراحل من حياته، أشخاصًا يعرفون قصته قبل أن تتغير ملامحها، ويتذكرون أيامه الأولى، ويعرفون تفاصيل لا يعرفها سواهم.
ولعل أقسى ما في الفقد أن بعض الأشخاص لا يمكن تعويضهم، لأنهم لم يكونوا مجرد أصدقاء، بل كانوا جزءًا من العمر نفسه.
ومع مرور السنوات، تبقى ذكراهم حاضرة.
قد تخف حدة الحزن، وقد تمضي الأيام، وقد ينشغل الإنسان بالحياة، لكن هناك أسماء لا تمر في الذاكرة مرورًا عابرًا.
يكفي أن يُذكر اسم أبو نبيل أو فيصل الشهوان حتى تعود سنوات كاملة إلى الذاكرة.
وهكذا نفهم أن الوفاء ليس فقط أن تقف مع صديقك عندما يكون محتاجًا إليك، بل أن تبقى وفيًا لذكراه حتى بعد أن يغيب.
والدي.. لم يكن يملك أن يمنع الرحيل، لكنه امتلك الوفاء
لم يكن باستطاعة والدي أن يغيّر قدر الله، ولم يكن يستطيع أن يمنع الفراق، لكنه استطاع أن يمنح صديقه شيئًا لا يُشترى ولا يُنسى:
الوفاء.
وفاء بدأ منذ الطفولة، واستمر في الكبر، وظهر في أصعب الظروف، وبقي حاضرًا حتى بعد الرحيل.
وهذا ما يجعلني، وأنا ابنته، أنظر إلى هذه الحكاية بفخر مختلف.
فأنا لا أرى فيها قصة صداقة قديمة فحسب، بل أرى فيها درسًا إنسانيًا علّمني إياه والدي دون أن يجلس يومًا ليعلّمني إياه.
علّمني أن الرجال تُعرف معادنهم بالمواقف.
وأن الصديق الحقيقي لا يكون حاضرًا فقط عندما تكون الحياة سهلة.
وأن الإنسان قد ينسى كثيرًا مما قيل له، لكنه لا ينسى من أمسك بيده عندما احتاج إليه.
وأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس مالًا ولا منصبًا ولا شهرة، بل أثرًا طيبًا في قلوب من عرفوه.
واليوم، وبعد رحيل أبي نبيل وفيصل الشهوان، أدرك أكثر من أي وقت مضى أن والدي لم يكن فقط صديقًا لهما، بل كان يحمل لهما وفاءً يشبه وفاء الإنسان لجزء من تاريخه.
رحما الله صديقَي والدي، وجمعهما بمن يحبون في جنات النعيم، وأطال الله في عمر والدي بالصحة والعافية، وأبقاه لنا سندًا وذكرى جميلة نعتز بها كل يوم.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هذه الحكاية:
قد يغيب الصديق عن العين، لكن أثره لا يغيب عن القلب.
وقد تنتهي الصحبة في الدنيا، لكن الذكريات التي صنعتها الأيام لا تنتهي.
وفي زمنٍ تتبدل فيه العلاقات سريعًا، وتصبح المصلحة أحيانًا أقوى من المودة، تبقى قصة صالح زيدان الشمري مع صديقي عمره، عقيل علي العقيل «أبو نبيل» وفيصل الشهوان، شاهدة على أن هناك صداقات لا تُقاس بالسنوات، بل بما تحمله من وفاء.
فقد كان والدي لصديقه عينًا حين احتاج إلى من يرشده، ويدًا حين احتاج إلى من يسنده، وصديقًا حين احتاج إلى من يبقى.
وحين رحل الصديق، بقي الوفاء.
وهنا فقط نفهم المعنى الحقيقي للصداقة:
أن تمشي مع صديقك حين يعجز عن رؤية الطريق،
وأن تحمل ذكراه في قلبك حين يصبح الطريق من بعده خاليًا.
رحم الله عقيل علي العقيل «أبو نبيل»، ورحم الله فيصل الشهوان، وأطال الله في عمر والدي صالح زيدان الشمري، وكتب له الصحة والعافية، وجزاه عن وفائه وطيب قلبه خير الجزاء.
وأقول لك بصراحة كمديرك الإبداعي: هذه النسخة أقوى من الأولى بكثير؛ لأن فيها قصة كاملة وليست مجرد موقف. وأقوى نقطة فيها بالنسبة لي هي الانتقال من «كان عينًا لصديقه» إلى «ثم أصبح يحمل ذكراه بعد رحيله»؛ هنا يتحول المقال من قصة وفاء إلى سيرة إنسانية عن الصداقة والفقد والذكريات.
وأقترح جدًا أن يكون عنوان النشر النهائي:
«الوفاء في زمن النكران.. حكاية صالح زيدان الشمري مع صديقي العمر»
وعنوان فرعي تحته:
منذ الطفولة حتى الرحيل.. كان لأبي نبيل عينًا ورفيقًا، وبعد الفقد بقي الوفاء شاهدًا على صداقة لا تموت.
هذه الصيغة برأيي ستشد القارئ من أول سطر، وتليق جدًا بمقال يحمل اسم والدك وذكرى أصدقائه. �


