مقالات

حين يرحل الرجل ويبقى أثره بقلم الكاتب … خالد بن محمد عسيري

رحل الأستاذ خالد بن محمد عسيري، بعد مسيرة طويلة في خدمة الرياضة السعودية، تقلّد خلالها عددًا من المواقع القيادية؛ فكان وكيلًا مساعدًا لشؤون الرياضة، ونائبًا لوكيل الرئيس العام لشؤون الرياضة، ومديرًا عامًا للأندية والاتحادات الرياضية، ومديرًا عامًا لمكتب الهيئة العامة للرياضة بالمنطقة الوسطى، وصولًا إلى رئاسة نادي أبها.

تلك سيرة يمكن أن تحفظها الوثائق، لكن لخالد سيرة أخرى لا تحفظها الملفات؛ تحفظها قلوب الناس.

عرفته قدوةً وناصحًا، ورجلًا قوي الشخصية، واضحًا في رأيه، جميلًا في حضوره. وهبه الله كاريزما خاصة لا تصنعها المناصب ولا تمنحها الألقاب؛ هيبة ممزوجة بالقبول، وثقة لا تحتاج إلى استعراض، وحضورًا يبقى في الذاكرة طويلًا.

وكان لنصيحته عندي قدرٌ خاص؛ لأنها لم تكن كلمات عابرة، بل خلاصة تجربة ومحبة. وبعض من نلتقي بهم يعلموننا دون أن يقصدوا، ويتركون فينا شيئًا منهم دون أن نشعر؛ ثم تمر الأيام، فنستعيد كلمة قالوها أو موقفًا صنعوه، وندرك أن أثرهم في حياتنا كان أعمق مما كنا نظن.

وحين قرأت ما كتبه أصدقاؤه ورفاق دربه بعد رحيل أبي محمد، رأيت الرجل الذي عرفته حاضرًا بينهم جميعًا: الصديق الوفي، ورفيق الدرب، والقائد، والرجل الهادئ رقيق المشاعر، والفنان التشكيلي وصاحب الحضور المميز. تعددت الحكايات، لكن المحبة كانت واحدة.

ولعل أجمل ما في سيرة خالد أن هذه المحبة لم تكن فقط بين زملائه ومعارفه؛ بل كانت أعمق في بيته وعائلته. كان محبوبًا بين إخوته وأبنائهم وأقاربه، قريبًا من قلوبهم، حاضرًا في مجالسهم وذكرياتهم. وحين تمتد محبة الإنسان من أسرته وأقاربه إلى أصدقائه وزملائه ومعارفه، فهذه شهادة لا يمنحها منصب ولا يصنعها لقب.

وهنا تبدو الحياة بمعناها الأكثر صدقًا: فالمنصب يخبرنا أين كان الإنسان، أما محبة الناس فتخبرنا من كان.

والموت يعيد إلينا هذه الحقيقة بقسوة. نعيش مع من نحب وكأن الزمن قد وعدنا بهم طويلًا؛ نؤجل لقاءً، ونترك حديثًا لم يكتمل، ونظن أن للمجلس موعدًا آخر. ثم يأتي الرحيل، فتصبح التفاصيل الصغيرة أثمن ما نملك: صوتًا نفتقده، وابتسامة نتذكرها، ومجلسًا نشتاق إليه، ونصيحة نتمنى لو امتد بها الحديث قليلًا.

رحمك الله يا أبا محمد.

غبت عن العين، لكنك لم تغب عن القلوب التي أحبتك. وسيظل لك في إخوتك وأبنائهم وأقاربك وأصدقائك ومعارفك شيء لا يأخذه الغياب؛ لأن الموت يستطيع أن ينهي العمر، لكنه لا يستطيع أن يمحو المحبة.

وإلى ابنه محمد: عزاؤك أن أباك لم يترك لك اسمًا فقط، بل ترك سيرةً ومحبةً وأثرًا. وستكتشف مع الأيام أن الآباء لا يرحلون تمامًا؛ يبقون في أبنائهم، في ملامحهم وقيمهم، وفي كلمة يتذكرونها عند موقف، وفي تصرف يفعلونه يومًا ثم يدركون أنهم أصبحوا يشبهون آباءهم أكثر مما كانوا يظنون.

رحم الله خالد بن محمد عسيري رحمة واسعة، وغفر له، وأنار قبره، وجعله روضة من رياض الجنة، وربط على قلوب محمد وإخوته وأسرته وإخوته وأبنائهم وأقاربه وكل من عرفه وأحبه.

رحل أبو محمد، وبقيت سيرته ومحبة الناس له.
فالإنسان لا يختار كم سيمكث في هذه الحياة، ولكن بعض الناس يرحلون وقد تركوا من أنفسهم في قلوب الآخرين ما يجعل الغياب عاجزًا عن أخذهم بالكامل.

ومن خالد… بقي الكثير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى