
“البداية منك” ….. بقلم الكاتبة والإعلامية موضي بنت سليمان
يخطئ الإنسان حين يظن أن حياته تتبدل بمجرد تبدل الظروف، فالتحولات الكبرى لا تبدأ خارج الإنسان، وإنما تبدأ في داخله. ولهذا جاء قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ليقرر حقيقة خالدة لا تتغير بتغير الأزمنة؛ وهي أن إصلاح الواقع يبدأ بإصلاح النفس، وأن المستقبل ليس إلا ثمرة للقرارات التي نتخذها، وللأعمال التي نداوم عليها.
يقضي كثير من الناس أعمارهم في انتظار اللحظة المناسبة، أو الفرصة المثالية، أو الظرف الذي يخلو من العوائق، غير أن الحياة لا تسير وفق ما ننتظر، بل وفق ما نصنعه من أسباب. فالسنون تمضي على الجميع بالسرعة نفسها، لكنها لا تمنح الجميع الثمار ذاتها؛ لأن الفارق الحقيقي لا تصنعه الأيام، بل يصنعه حسن استثمارها.
وأشد ما يقيد الإنسان ليس نقص الإمكانات، بل استسلامه للأعذار. فالخوف يؤجل الخطوة الأولى، والتردد يستهلك العمر في التفكير، والتسويف يمنح الأحلام مظهرًا جميلًا، ثم يحرمها فرصة أن تصبح واقعًا. وما أكثر الأحلام التي لم تمت لعجز أصحابها، بل ماتت لأنهم لم يبدؤوا.
وليس النجاح مكافأة يمنحها الزمن لمن ينتظر، وإنما هو ثمرة طبيعية للسعي المتواصل. فقد جعل الله لكل غاية سببًا، ولكل ثمرة عملًا، فلا يكفي أن يحسن الإنسان التمني، بل لا بد أن يحسن الأخذ بالأسباب، ثم يفوض النتائج إلى الله، راضيًا بحكمه، واثقًا بعدله.
ولعل أعظم ما يدركه الناجحون أن الإنجازات لا تُبنى بالقفزات الكبيرة، وإنما بعادة صغيرة تتكرر، وبقرار يتجدد كل صباح، وبإرادة ترفض أن تجعل العثرة نهاية الطريق. فالخطوات المتواضعة التي لا تنقطع، أصدق أثرًا من الحماس الذي يشتعل سريعًا ثم يخبو.
إن الإنسان لا يملك أن يختار كل ما يمر به، لكنه يملك أن يختار موقفه منه، ويملك أن يحول المحنة إلى دافع، والعثرة إلى درس، والتأخير إلى فرصة لمزيد من النضج. وهنا تبدأ ملامح التغيير الحقيقي؛ عندما يدرك الإنسان أن ما يملكه اليوم ليس الظروف، وإنما طريقة التعامل معها.
فلا تجعل مستقبلك رهينة لما تتمنى، ولا لما ينتظره الآخرون منك، بل اجعل أيامك شاهدة على سعيك، وأعمالك برهانًا على طموحك. فما يكتبه الإنسان بعمله أبقى أثرًا مما يكتبه بأحلامه، وما يغرسه اليوم من أسباب، سيجني ثماره غدًا بإذن الله.
فالبداية ليست في تبدل الظروف، ولا في انتظار الفرص، بل في قرار صادق تتخذه مع نفسك، وعملٍ لا ينقطع، وإيمانٍ بأن كل خطوة صادقة تقربك مما ترجو. فكل تغيير عظيم كانت بدايته إنسانًا قرر أن يبدأ… وكانت البداية منه.



